«حكايات أهل الفن»

قصة فاضل عواد وأغنية «لا خبر لا حامض حلو»

ت + ت - الحجم الطبيعي

أغنية «لا خبر» العراقية الشهيرة، التي غناها الفنان العراقي فاضل عواد أحمد الجنابي الشهير بـ «فاضل عواد» في أواخر الستينات من ألحان مواطنه حسين السعدي وكلمات الشاعر العراقي طارق ياسين، والتي يقول مطلعها:

لا خبرلا چفيه لا حامض حلو لا شربت.. لا خبر قالوا صوانيكم شموع انترست

والتمن السمرات من كل بيت سمرة التمت.. وأترف أصابع ليلة الحنه بعذابي تحنت.

لها قصة مفادها أن أحد الشباب ذهب لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، تاركاً خلفه محبوبته، وعندما طال غيابه تزوجت من شخص آخر، وتصادف أن عاد الشاب في ليلة زفافها وسمع صدفة عن الخبر المحزن، فكتب لها كلمات الأغنية التي عاتبها فيها على قلة الوفاء وعدم الصبر، وكيف أنه تفاجأ بحفل الزفاف. وفي الأغنية مقاطع على لسان محبوبته تدافع فيها عن نفسها وتبرر تصرفها بطول غيابه وانقطاع أخباره، ليرد الشاب ويؤكد أن «العشق ما ينحزر جزره ومده

والشوق ذبني بحيرتي واتعده.. عذالي بية وبدموع شبت».

ويقال إن الصدفة وحدها كانت وراء تأدية فاضل عواد لهذه الأغنية التي كانت سبباً في شهرته وانطلاقته في عالم الغناء والنجومية في سبعينات وثمانينات القرن العشرين جنباً إلى جنب مع الكبار من أمثال فؤاد سالم وياس خضر وحسين نعمة وسعدون جابر، قبل أن يأفل نجمه ونجم مجايليه مع بزوغ أسماء جديدة وموجة مختلفة من الغناء العراقي بداية التسعينات.

وملخص الحكاية أن الفنان الراحل حسين السعدي لحن «لا خبر» لنفسه، لكن الإذاعة العراقية رفضتها لسبب ما، فأعطاها لفاضل عواد، فقام الأخير بعرضها على الإذاعة التي رفضتها مجدداً. هنا تدخل الملحن العراقي الراحل ياسين الراوي الذي كان وقتذاك يقدم برنامجاً للهواة، وأقنع فاضل عواد أن يؤديها من خلال برنامجه كأحد المشتركين الهواة وليس كمطرب محترف.

وهكذا تم بث الأغنية، فأعجب الناس بها كلمة ولحناً وأداءً، وبدأت في الانتشار من خلال الأعراس والمناسبات السعيدة والإذاعات العربية لتجعل من صاحبها نجماً في سماء الأغنية العراقية الحديثة بطريقة لم تحدث مع أي مطرب عراقي آخر.

قدم عواد بعد ذلك باقة من الأغاني الرائعة مثل: «يا نجوم صيرن قلايد» و«يا شموع» و«اتنه اتنه» و«حاسبينك» و«هلوا وحنا نهل» وغيرها، لكنها لم تحقق شهرة «لا خبر»، وإن نقلت الرجل من حال إلى حال. فمن يقرأ سيرته الذاتية سيجد أنه ولد في بغداد سنة 1942 لأسرة فقيرة.

وبسبب فقره، ورغم تخرجه من الثانوية سنة 1965 بدرجات عالية تؤهله للالتحاق بالجامعة، آثر أن يلتحق بمعهد إعداد المعلمين في الأعظمية، فقط لأن المعهد كان سيوفر على أهله مصاريف أكله وشربه وسكنه، بل ويمنحه راتباً يستطيع إرسال خمسة دنانير منه لأسرته كل شهر.

وإبان دراسته في معهد المعلمين، واصل شغفه بالغناء، الذي بدأه هاوياً في حدائق السكك ببغداد مع زميله سعدون جابر قبل أن يتقدم في عام 1967 إلى برنامج ركن الهواة في إذاعة بغداد التي أعجب مسؤولوها بصوته الجميل الدافئ.

فقرروا ضمه إلى كورس فرقة الإنشاد العراقية المصاحبة للمطرب الكبير محمد القبانجي، وبسبب انشغالاته هذه مع الإذاعة العراقية لاحظت إدارة المعهد كثرة تغيبه عن الدراسة، وكادت أن تفصله لتجاوز غياباته الحد المسموح، لولا تدخل مدير المعهد خليل أحمد جلو الذي أشفق على أحواله، خصوصاً وأن غياباته لم تؤثر إطلاقاً على درجاته التي كانت دوماً في صعود.

لم يمارس عواد مهنة التدريس بعد تخرجه من معهد المعلمين لأن الله عوضه خيراً بعد سنوات الفقر والحاجة، من خلال تسجيلاته الغنائية للإذاعة وعمله كمنشد للقصائد الصوفية في التكية القادرية، وصولاً إلى أغنية «لا خبر» التي حققت له المجد المنشود.

غير أن هذا لم يمنعه من مواصلة تعليمه الجامعي والعالي إلى أن نال الماجستير في الأدب العباسي من جامعة بغداد، ثم الدكتوراه في الأدب العربي من الجامعة المستنصرية. هذه الدرجات الأكاديمية التي صقلت مواهبه في نظم الشعرين الفصيح والعامي إلى جانب مواهبه في العزف على العود والضرب على الإيقاعات.

في التسعينات قرر عواد أن يهجر الغناء بسبب تردي الأحوال الفنية والمعيشية والسياسية في العراق، بل قرر أن يترك وطنه ويذهب إلى ليبيا للعمل في مجال التدريس الجامعي في الفترة ما بين 1995 ــ 2005م.

وخلال هذه الفترة نشط في نظم الشعر ونشره في الصحافة إلى جانب حضور بعض المهرجانات الشعرية والندوات الإعلامية، قبل أن يعود إلى العراق في عام 2005 لتدريس التصوف والبلاغة القرآنية والأدب العربي الإسلامي في «كلية السلام الجامعية» ببغداد التي صار معاوناً لعميدها.

 

طباعة Email