الاعتداد بالنفس ليس غروراً

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعد نظرة الإنسان إلى ذاته، وتقييمه لما يتمتع به من قدرات ومهارات، من الخصائص المهمة التي تنعكس آثارها على مجمل مفاصل الحياة الشخصية، بجانبيها الاجتماعي والمهني. هذه النظرة تحدد طريقة تعامل الفرد مع ذاته، وأسلوب تواصله مع الآخرين، وكذلك تفاعله مع المواقف والظروف التي يعايشها. 

ومقال اليوم يناقش مسألة الاعتداد بالنفس «Assertiveness»، وما يتعلق بأهمية أن ينظر الفرد إلى ذاته بمستوى عال من التقدير والاحترام؛ على اعتبار أن من لا يقدر نفسه، لا ينبغي عليه توقع تقدير الآخرين له. يضاف إلى ذلك، أن المعتد بنفسه يختلف عن المغرور، فالاعتداد بالنفس لا يؤدي إلى تضخيم الذات، ولا يسبب الأذى للآخرين. في حين أن الغرور يقود الإنسان لتقدير ذاته بصورة غير واقعية، كما أن المغرور ينظر للآخرين بمنظار فوقي، ويعتبر نفسه أفضل من المحيطين به، وبالتالي فهو يظن أنه يستحق الحصول على منافع أكثر من أي شخص آخر، كما أنه يشعر بالحزن عندما يتفوق عليه أحد، وقد لا يتمنى الخير إلا لنفسه. 

جدير بالذكر أن الاعتداد بالنفس يتعلق بنظرة الإنسان إلى نفسه، وليس بنظرة الآخرين له. بمعنى أن الفرد المعتد بنفسه قد لا يكون مميزاً بأعين الناس، وقد يمارس عملاً بسيطاً. ولكن على الرغم من ذلك، فإن نظرته إلى ذاته تتصف بالتقدير والاحترام. 

في تصورنا، يمكن طرح مجموعة من الاشتراطات، من المهم أن تتوفر في شخصية المعتد بنفسه. مع التنويه إلى أن النقاط الآتية تعبر عن وجهة نظر مرتكزة إلى تصورات شخصية، تنطلق من اعتبار الاعتداد بالنفس توكيداً إيجابياً للذات، وهو بالتالي أحد مفاهيم إدارة الذات. 

الثقة الواقعية بالنفس، بمعنى أن المعتد بنفسه ينبغي ألا يمنح ذاته تقييماً غير مُستحَق. الثقة في هذا المقام ترتكز على وقائع فعلية، وحقائق ملموسة، قابلة للقياس والملاحظة. 

الاعتراف بالأخطاء والهفوات، إذ لا يوجد حرج في ذلك. على المعتد بنفسه أن يقتنع بأن إقرار الإنسان بأخطائه لا يُنقص من قدره أمام نفسه، ولا أمام الآخرين، بل العكس هو الصحيح. 

المعتد بنفسه يميل نحو التحسين المستمر لما يتمتع به من قدرات ومهارات؛ وصولاً إلى توظيف هذا التحسين في استثمار الفرص الحياتية المختلفة. 

وفيما يرتبط بالعلاقات الشخصية، يميل المعتد بنفسه إلى مناقشة الآخرين في أفكارهم وآرائهم قبل الإعلان عن موقفه منها. هو بذلك يؤمن بأن الحوار البنّاء والمتبادل، يعد سبيلاً مفيداً لضبط عملية الاتصال والتواصل مع الناس عموماً. 

ويعي المعتد بنفسه في علاقاته الوظيفية والمهنية، ويدرك الأسس التي تقوم عليها سياسات ونُظُم العمل. لذلك نجده لا يتقبل الأوامر غير المُبررة التي تصدر من قبل المديرين، وشاغلي المراكز الوظيفية الإشرافية. 

ولا يميل المعتد بنفسه إلى الانجرار في علاقات إنسانية غير هادفة، هذا الأمر ربما يجعل علاقاته مع الآخرين تميل نحو الرسمية أو المحدودية نوعاً ما، فهو يركز على الجانب النوعي وليس الكمّي في مسألة العلاقات مع الآخرين. 

ويقدر المعتد بنفسه قيمة الوقت، ويسعى بشكل مستمر نحو تذكير نفسه، وتنبيه من حوله بأهمية هذا المورد النادر والثمين، لذلك نجده لا ينشغل عادةً إلا بالأمور القيّمة ذات العائد المفيد. 

ويعتقد المعتد بنفسه أن لديه خصوصيات ينبغي احترامها من قبل الآخرين، كما أنه في الوقت ذاته يُقدر خصوصيات الأفراد المحيطين به، ولا يتدخل فيما لا يعنيه.

ويهتم المعتد بنفسه بنمط غذائه، ونظامه الرياضي، ويعتقد بأن الإنسان العاقل ينبغي أن يركز على صحته، ويمنحها ما تستحقه من رعاية. 

ويهتم المعتد بنفسه بملبسه، وأناقته، ويحب أن يظهر أمام الآخرين بشكلٍ جيد. هو يعتقد أن المظهر الخارجي يستحق الاهتمام، ولكن من دون مبالغة.

وختاماً نقول.. الاعتداد بالنفس، من الخصائص الإيجابية التي ينبغي الاهتمام بها، والتركيز عليها من قبل الأفراد، مع أهمية توجيه الأطفال والنشء الجديد باتجاه أن يكونوا معتدين بأنفسهم، وتعليمهم بأن الاعتداد بالنفس شيء، والغرور شيء آخر.

طباعة Email