انتخابات تونس.. مقاطعة سياسية أم عزوف مجتمعي؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

طوت تونس السبت صفحة أخرى من التاريخ بتنظيم انتخابات برلمانية مبكرة متجاوزة نسبة المشاركة فيها الـ9 في المئة، وهي أدنى نسبة مشاركة شهدتها تونس منذ استقلالها سنة 1956.

ويُجمع الملاحظون على أنّ عوامل عدّة أسهمت في تدنّي نسبة المشاركة، أهمّها قانون انتخابي همّش دور الأحزاب وتضمّن شروطاً مجحفة لم تسهم في خلق ظروف منافسة جدّية بين المترشّحين قادرة على استقطاب المواطن لهذا الاستحقاق الانتخابي الذي يُراد له أن يكون نهاية المطاف المرحلة الانتقالية الاستثنائية التي بدأت يوم 25 يوليو 2021.

وقال رئيس الهيئة العليا للانتخابات فاروق بوعسكر إنّ «8.8 في المئة شاركوا في عملية التصويت في الانتخابات التشريعية ما يقابل 803 آلاف و638 ناخباً»، ومقارنة مع نسبة المشاركة في الاستفتاء على الدستور الذي جرى في 25 يوليو 2022 الماضي فقد تمّ حينها تسجيل مشاركة 2 مليون و458 ألفاً و985 ناخباً بنسبة 27.54 في المئة من الناخبين المسجلين.

وتطرح هذه النسبة المتدنية إشكالاً سياسياً بالنسبة للرئيس التونسي الذي كثيراً ما راهن على ورقة المشروعية الشعبية وهي الورقة الأقوى والوحيدة التي رفعها في وجه خصومه السياسيين الذين تتغيّر ملامحهم مع كلّ خطاب وفعل سياسي للرئيس.

وفي المقابل، تفتح هذه النسبة الباب مشرعاً أمام بعض الأطراف السياسية المساندة من جهة للمسار التصحيحي للرئيس التونسي قيس سعيّد وتلك المعارضة في المقابل لسياساته بعد 25 يوليو 2021.

وقد تعالت الأصوات من أطراف عدّة مختلفة وفي أغلب الأحيان متناقضة في البرامج والسياسات والفكر تطالب بضرورة استخلاص العبر و«تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية سابقة لأوانها ووفق المعايير الدولية» ومن هذه الأطراف وأساساً الحزب الدستوري الحرّ الذي تتزعمه عبير موسي.

وإذْ يبدو من الواضح أنّ صوت الحركة الإخوانية وحلفاء «الصدفة» من الانتهازيين الذين ربطوا مصيرهم بها، هو صوت غير مسموع لدى المواطن التونسي بعد أن أفقدتها عشر سنوات من الحُكْمِ المشروعية الوقتية والمغشوشة التي اكتسبتها بعد 14 يناير 2011، فإنّ أصوات الطيف المدني والسياسي الأخرى ما انفكّت تتّسع دائرة تأثيرها ونفوذها عند الشرائح الأوسع من المواطنين التونسيين.

ومعلوم أنّ جلّ هذه الأطراف نادت بمقاطعة الانتخابات البرلمانية وأسهمت بالتالي في تدنّي نسبة المشاركة، لكنّ يقيننا أنّ السبب الرئيسي لهذه النسبة الضعيفة يبقى عزوف المواطن التونسي عن المشاركة في الشأن العام وتنامي الاعتقاد لديه بانعدام الجدوى من الانتخابات، نتيجة العجز اللافت للدولة والحكومة في توفير مقوّمات الحياة الكريمة وفق الخطابات والوعود المعلنة وكذلك بسبب الغلاء المعيشي وتدهور الأوضاع وفقدان الثقة في هذه الدولة ومؤسساتها.

إنّ الانتخابات البرلمانية التي عاشتها تونس تُعطي الفرصة مجدّداً لأصحاب النوايا الحسنة ولمن يريد أن يُعدّل مسار سياساته، كي يسير في اتجاه توفير الشروط الضامنة لاستقلالية القرار الوطني والخروج بهذه الاستقلالية من الخطابات العقيمة إلى الفعل الإيجابي، وإنّ تاريخ المجتمعات علّمنا أنّه عندما تغيب مقوّمات ممارسة السيادة على الأرض تتسلّل السياسات والمصالح الخارجية وتُفرض كأمر واقع حتّى وإن كانت مناقضة للطموحات والمصالح الداخلية للمجتمعات والأوطان، ولنا فيما حدث ويحدث في دول أخرى أمثلة دالّة على ذلك، إذ لا ينبغي أن ننسى أنّ جماعات الإخوان والإسلام السياسي خسرت في ليبيا كلّ الانتخابات ومع ذلك فرضتها القوى الأجنبية رقماً في معادلة الحُكْمِ ضدّ إرادة الشعب الليبي.

ويُعتقَد أنْ لا حلّ لتونس كي تتفادى مثل هذا السيناريو غير ترك خطاب إنكار الحقيقة والواقع والاستخلاص الفوري لدروس الانتخابات البرلمانية والسعي بكلّ قوّة إلى ربط جسور التواصل مع الطيف المدني والسياسي الوطني على قاعدة المشترك من البرامج والمُثُلِ التي تجمعه.

إنّ الرئيس التونسي قيس سعيّد يقف في مفترق طرق محفوفة بالمخاطر وليست كلّها سالكة، وإنّ الحكمة في السياسة تقتضي التراجع عند الضرورة لأنّ البديل عن ذلك هو رضوخ تونس للابتزاز الخارجي والإخواني مجدّداً وحتّى لا يعمّ الاعتقاد بأنّ المسار التصحيحي لحراك 25 يوليو 2021 كان سراباً.

 

طباعة Email