أمريكا والخليج.. وإعادة «بناء الثقة»

ت + ت - الحجم الطبيعي

وكأني أقرأ من تعليق وزير الخارجية الأمريكي السابق، مايك بومبيو، على زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى المملكة العربية السعودية وعقده لثلاث قمم (سعودية- خليجية- عربية)، نصيحة صادقة للإدارة الديمقراطية الحالية بألا تصر على خسارة حلفائها التقليديين بسبب بعض المواقف والسياسات التي اتبعتها خلال الفترة الماضية، والتي تصب في خلق فراغ سياسي وأمني في واحدة من أهم مناطق العالم، بل وصل الأمر ببومبيو بأن وصف السياسة التي تتبعها الإدارة الحالية مع أقدم حلفائها بأنها «سياسة سيئة» في إشارة إلى أهمية أن تقوم إدارة الرئيس بايدن بإعادة تقييم سلوكياتها السياسية بما يعيد بناء الثقة مع حلفائه. ما ميز نظرة بومبيو أنها تنطلق من شخصية سياسية خدمت في دوائر صنع القرار الأمريكي قبل أن يتقلد منصبه في وزارة الخارجية في عهد الرئيس دونالد ترامب، وبالتالي فنظرته فيها من الواقعية الشيء الكثير وهو عكس بعض الردود والتلميحات التي كانت ترى الزيارة من زاوية ضيقة غير عقلانية، بل غلبت عليها العاطفة بعيداً عن المنهجية والمصداقية، العلاقات الخليجية السياسية والاقتصادية مع الغرب والشرق قائمة على مبادئ وأسس وقيم ثابتة تحترم سيادة الدول وتتحرك وفق المصالح المشتركة بعيداً عن الاستقطابات.

الزيارة حظيت باهتمام ومتابعة شديدة من قبل الإعلام الغربي وخاصة الأمريكي، والأهم من ذلك هو متابعة دوائر صنع القرار في واشنطن وتحليلاتهم وآرائهم حول هذه الزيارة وتأثيراتها عليهم، ما لفت انتباهي في تصريح بومبيو وهو من النخبة السياسية الأمريكية والعارف بخباياها أنها تتوافق مع ما يشعر به الكثيرون في الدول العربية والخليجية ويتداولونه فيما بينهم حول السياسة الأمريكية في المنطقة وقراراتها المفاجئة والغريبة دون الأخذ في الحسبان آثار هذه القرارات على الدول الحليفة لها، ومن هذه القرارات انسحابها من أفغانستان والعراق.

من الطبيعي أن تحظى الزيارة بهذا الاهتمام والمتابعة، وذلك لعدة أسباب منها: أولاً: الصين دولة كبرى وقوة اقتصادية (ثاني أكبر اقتصاد في العالم) وشريك اقتصادي رئيس لدول الخليج العربي (دول مجلس التعاون الخليجي) ولديها تطور علمي في معظم المجالات، وخاصة تكنولوجيا الاتصالات، ثانياً: الدول الخليجية (خاصة السعودية والإمارات) دول فاعلة ومؤثرة سواء على المستويين الإقليمي والعالمي، ولهما حضور مؤثر في المحافل الدولية، ثالثاً: الموقع الجغرافي لمنطقة الخليج العربي مهم جداً سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ومهم جداً معرفة أنها مصدر الطاقة العالمي، رابعاً: توقيت الزيارة جاء والعالم يمر بأحداث وتداعيات مهمة وصعبة تؤثر على الدول والشعوب والنظام العالمي.

وإذا رجعنا إلى السؤال المهم ماذا تريد دول الخليج العربي من الولايات المتحدة؟ وفي الجانب الآخر ماذا تريد كذلك من الصين؟ ومن غيرها مستقبلاً، أولاً: تأمل دول الخليج العربي أن تنتبه الإدارة الأمريكية لسلوكها وسياساتها ومواقفها المرتبطة بالمصالح والأمن الخليجيين، حيث إنه لا يمكن أن تتجاهلها ولا تتوقع ردة فعل منها أو موقف معين، كما أنه لا بد من الإدارة الأمريكية أن تتفهم الأولويات الخليجية وتستمع للقيادات وتفهم وجهات نظرهم فهم معنيون بشكل مباشر ورئيس في مستقبل المنطقة وأمنها. وفي ختام الجزء الأمريكي، على الإدارة الأمريكية أن تعمل على إعادة بناء الثقة لدى الخليجيين.

ثانياً: ماذا يريد الخليجيون من الصين؟ أعتقد أن القيادات الخليجية ينظرون إلى العلاقات الدولية بنظرة واقعية ويتحركون وفق مصالح دولهم، ويسعون لتحقيق التنمية اللازمة لشعوبهم، والصين اليوم تعتبر قوة اقتصادية لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها، حيث إنها تعتبر المستورد الأكبر للنفط الخليجي (أكثر من 3 ملايين برميل يومياً)، كما أنها تُعد الشريك التجاري الأكبر للدول العربية بحجم مبادلات بلغ 330 مليار دولار في العام الماضي، الدول الخليجية حريصة على تنويع علاقاتها السياسية وشراكاتها الاقتصادية لتحقيق مصالحها دون الدخول في تحالفات للإضرار بدول أخرى، والتعاون مع الصين يحقق فوائد في عدد من المجالات منها الطاقة والتكنولوجيا والفضاء والثقافة.

بالنسبة لي من أهم نتائج الزيارة هي التأكيد على أهمية المنطقة في السياسة الدولية وتأثيرها على التفاعلات الدولية، وأن أهميتها لم تنتهِ كما كان يظن البعض، بل الأكيد هو إن أرادت الدول الكبرى الحصول على دور عالمي فلا بد من بناء علاقات قوية مبنية على الاحترام والثقة مع دول الإقليم الأهم في العالم؟ أي إن الطريق للوصول إلى قمة النظام العالمي يمر من هنا.

* كاتب ومحلل سياسي

طباعة Email