الولايات المتحدة واستشراء العنف

ت + ت - الحجم الطبيعي

تقول الحكمة، إنَّ من عاش بالسيف مات به. والسلاح وحمله في الولايات المتحدة حق دستوري مكفول حسب التعديل الثاني للدستور الأمريكي. ومع تفاقم العنف المسلح في المجتمع الأمريكي، يحتد الصراع المرير بين من يريد أن يقنن حمل السلاح ومن يريد الدفاع عن حرية استلال السلاح بأنواعه المتعددة- حتى السلاح المخصص للحروب، لا للصيد أو الدفاع عن النفس.


وفي تقرير مفصل أوردته الـ«بي بي سي» حول ثقافة السلاح في أمريكا، أشارت إلى «أن الموت بالسلاح الناري وصمة ثابتة في الحياة الأمريكية». ويقول التقرير إن قرابة مليون ونصف إنسان لقوا حتفهم بالسلاح بين 1968 و2017. وهذا الرقم أكبر من كل الضحايا الأمريكيين والذين سقطوا في الحروب منذ حرب استقلال أمريكا في 1776. ففي 2020، سقط نحو 45000 قتيل بسبب السلاح. ويشمل الضحايا من استخدم السلاح للانتحار أو القتل، فضلاً عمن جرحوا بسبب توفر الأسلحة.


تَوَفُّر السلاح في أيادي الناس مذهل. فمعدل السلاح المتوفر للمدنيين هو ما يزيد عن 120 قطعة سلاح لكل 100 شخص. الرقم هو أكثر من ضعف انتشار السلاح في اليمن، وتقريباً أربعة أضعاف الجارة كندا ولبنان. والقتل بالسلاح في الولايات المتحدة يتجاوز كل الدول بهامش كبير. أما القتل الجماعي فقد استفحل كالنار في الهشيم. وما عاد سماع مثل هذه الأحداث تثير كثيراً من الدهشة عند عامة الناس!


احتكار العنف الشرعي بالنسبة لأي دولة هو من أهم مفرداتها وخصائصها. حق لا ينازعه عليها أحد. وإذا نازعها أحد فتصبح دولةً منخورةً من داخلها، مثل الدول التي تسيطر عليها الميليشيات المسلحة. لا يمكن أن تتعايش دولةٌ مع ميليشيا ومع تفشي السلاح: إما دولة وإما ميليشيات ومجموعات مسلحة.


وهناك كثير من الأمثلة التي يمكن إيرادها حول العلاقة بين تفشي السلاح وبين الدولة الفاشلة. والصومال ولبنان مثالان على تفشي الفوضى. وهناك كثير من الدول الأفريقية والتي تمسى دولاً فاشلة بسبب عدم انضباط وسائل العنف. وقد نشر أحد الكتاب مقالة في مجلة «المصلحة القومية» الأمريكية بعنوان «هل بدأت الحرب الأهلية القادمة». ويقول الكاتب «إن ما يبدو أعمال عنف فردية—قام بها فرد مسلح وجماعة يمينية متطرفة—ما هي إلا جزء من حركة إرهابية محلية والتي تشكل حرباً أهلية متنامية».


وعلى ما يبدو فإن الديار الأمريكية عامرةٌ بالميليشيات المسلحة. وقد تشكلت هذه الميليشيات المسلحة تحسباً لما يرونه من تغول السلطات الاتحادية على الحقوق الفردية للمواطنين. وإن الدفاع عن هذه الحقوق واجب ديني ووطني، خاصة ضد حكومة تقدم التنازلات للأقليات العرقية والمهاجرين من غير البيض، وسعي الحكومة الدؤوب للاندماج في العولمة الاقتصادية والتي حرمت أبناء الوطن من كثيرٍ مِن حقوقهم الاقتصادية.


ويقود هذه الجماعات المسلحة مجموعات تفوقُ العنصر الأبيض اليميني المُتطرف، والتي تتوعدُ بإرجاع القارة الأمريكية إلى قارة بيضاء. وتحذر مقالة نشرت في جريدة «واشنطن بوست» بأن الولايات المتحدة على شفا حرب أهلية بين تيارات سياسية لا تتشارك في مجتمع سياسي واحد. فالهجوم على مؤسسات وأفراد الدولة ينبئ بأن القادم خطير. وأن الولايات تواجه أصعب ظروفها منذ الحرب الأهلية في 1861. وتقول المقالة إن شراء الأسلحة تضاعف منذ بداية الجائحة بسبب الخوف من الجرائم وانعدام الأمن والقلاقل السياسية؟ وتخشى هذه المجموعات المُتطرفة من التغير الديمغرافي وتحول الولايات المتحدة إلى دولة متعددة الأعراق والثقافات وتأثير كل ذلك على مستقبلهم.


تحذيرات يصدرها الكثير فهل تصبح صرخةً في البرية؟


*كاتب وأكاديمي

طباعة Email