الطائفية نفق مُظلم

ت + ت - الحجم الطبيعي

حين يفشل بلد في اختيار رئيس، فهذا يعني وجود خلل جوهري موروث ومتأصل وضارب في الجذور. هذا ما يحدث في لبنان كلما انتهت ولاية رئيس الجمهورية.. يدخل البلد في فترة شغور تستمر أحياناً لأكثر من سنتين، إلى أن تتدخل قوى خارجية متضاربة المصالح وتتوافق، ثم تسقط توافقها على الأفرقاء اللبنانيين، ليفعلوا ما كان يمكن فعله في البداية.

في لبنان يجري اختيار الرئيس وليس انتخابه، ذلك أن الآلية الموروثة بعد انتهاء حقبة الاستعمار المباشر، تقضي بتوزيع المناصب طائفياً، أضافت إليها عقلية المحاصصة لاحقاً نكهة مذهبية زادت المعقّد تعقيداً.

كثيرون في لبنان والدول العربية وأصدقاء لبنان أثلج صدورهم خروج لبنان من حقبة الحرب الأهلية السوداء، بعد أن كان قبلها يوصف بـ «سويسرا الشرق»، كبلد للفن والجمال والجذب السياحي.

لكن انتهاء الحرب الأهلية، مع كونه إنجازاً مهمّاً، لم ينهِ أزمة لبنان، مثلما لم تكن نهاية الاستعمار بداية لاستقلال فعلي وحقيقي يضع البلد الصغير في مساحته وعدد سكانه، على السكة ذاتها من أهميته كموقع وتأثير وإشعاع ثقافي.

يدور المعنيون بالأزمة والمعترفون بها كثيراً في دائرة التشخيص الصحيح، ويضعون الإصبع على الجرح حين يرون أن لبنان وأي بلد ينقسم مواطنوه على أساس الولاء للطائفة والمذهب والجهة وما يشبهها من تقسيمات، لا يمكن أن يضع قدميه على سكّة النهوض والتنمية والتقدم.

حتى بالتشخيص النظري، ومن دون الأخذ بالاعتبار نتائج التجربة، يبرز جلياً أن تحطيم الولاء الوطني لمصلحة انتماءات تقسيمية يقصم ظهر أي بلد وأي شعب، ودفعه للسير في نفق مظلم، ذلك أن الاختيار، في أي مجال، على أساس الولاءات، مقبرة للكفاءات والقوى الحية الدافعة نحو التقدم والنجاح.

ولبنان، الذي يملك كل مقومات الإشعاع الحضاري، قادر على إطلاق هذا الإشعاع عندما يتخلص من عتمة الطائفية.

طباعة Email