حينما يصبح الهدوء في الحياة حلماً

ت + ت - الحجم الطبيعي

كما لكل حي نهاية فإن لكل مشروع نهاية كما يبدو، وإن أخذت نهاية المشروعات أشكالاً تختلف عن نهايات البشر، التي نرى لها تجسيداً في شطر من بيت عتيد للشاعر المتنبي تذكرةً لسيف الدولة: (وقفت وما في الموت شكٌ لواقفٍ).

فمنذ أيام غادرنا شاعر اليمن الكبير عبدالعزيز المقالح، رحمه الله، تاركاً في الحلق غصّة، وفي الساحة الثقافية العربية غير سؤال، وفي أيام قليلة أعقبت، وقعت عيني على خبر أن مكتبة الساقي في لندن، ذائعة الصيت في أوروبا والوطن العربي، سوف تغلق أبوابها في نهاية هذا العام، بعد 44 عاماً من العمل الدؤوب والمتميز - أسِّست عام 1978 - تأثرتُ لذلك كثيراً، كغيري من المهتمين بالمكتبة والكتاب عموماً، ولم أحدث أحداً من باب الفضفضة التي تبعث عليها حالات كهذه؛ إذ كلما تحدث الإنسان عمّا يؤلمه إلى قريب، خفف منه على نفسه - ولعله من هنا تأتي أهمية العزاء - حتى طالعني المقال الأسبوعي للصديق الإعلامي علي عبيد في صحيفة البيان، وعنوانه (إغلاق مكتبة)، يتحدث فيه عن صدمته لهذا الخبر المزعج، وغير الحضاري بالتأكيد، مدركاً أنه ليس وحده من كدّره الخبر وعكر يومه؛ فإغلاق مكتبة بالنسبة له حدث يرتقي إلى إغلاق مدرسة أو جامعة، وأضيف إن إغلاقها بمقام تدمير لمنارة معرفية تهدي وتعلّم، ولا سيما في عصرنا الضاجّ بالفوضى والمكدّرات من كل حدب ونوع. 

وما كاد خبر مكتبة الساقي يَقدَم قليلاً، حتى تقفته أخبار إغلاق صحيفة السفير اللبنانية في نهاية هذا العام، التي أسِّست في عام 1974، لمالكها ورئيس تحريرها طلال سلمان، بعدما كانت قد تحولت إلى إلكترونية في عام 2016. إنه خبر آخر ينضفر مع خبر إغلاق مكتبة الساقي. صحيفة السفير اللبنانية تعلمنا منها الكثير نحن جيل الثمانينيات، وأضافت أصلب الأحجار إلى عمارة الصحافة العربية المكتوبة، وكانت مدرسة تخرّج فيها زملاء كبار تبوأوا مناصب إعلامية مهمة في دول الخليج العربية، ومن بينها دولة الإمارات، الحضن الدافئ المضياف، وتعلمنا منها أسلوب الصوغ المتميز للخبر، واللغة المكثفة للتحقيق الصحفي، وكنا نتابع فيها أقلاماً عديدة أمتعتنا على مدى عقود بالأفكار المبتكرة حينذاك، وخصوصاً افتتاحيتها التي كان يكتبها طلال سلمان، وهو الذي كان يزور الإمارات على نحو دوري لحضور منتدياتها الإعلامية والثقافية لأهميتها. 

وعرفنا في السفير فنان الكاريكاتور الكبير ناجي العلي، رحمه الله، الذي طالته رصاصات الغدر في لندن 22 يوليو عام 1987. إذاً، وكما تناقلت الصحف العربية (لبنان.. بلا سفير) نهاية العام الحالي، ولكن من يستطيع نقل الخبر لطلال سلمان بأن (سفيره) على وشك الإغلاق في نهاية العام، وهو الذي يرقد في أحد مستشفيات بيروت؟ شفاه الله وأعاده معافىً إلى أهله ووسطه الإعلامي. 

يا لها من سنوات ثقيلات أبَين المرور بنا وعلينا بهدوء، وقد أصبح مطمحاً في أيامنا هذه، بل حلماً.

طباعة Email