الحرب هناك.. والأمل هنا

ت + ت - الحجم الطبيعي

شهدت بدايات القرن الماضي أول حرب كونية مدمرة، وأصبحت هذه الحرب كونية حين دخلت على الخط الولايات المتحدة الأمريكية في 6 أبريل 1917، وفي سياق التحضير لمفاوضات وقف إطلاق النار وإحلال السلام بين دول الحلفاء بقيادة «الأربعة الكبار» حينها (أمريكا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا)، ودول المحور بزعامة ألمانيا، برز خلاف حاد بين القوى الاستعمارية الكلاسيكية التي تدافع عن حل يضمن توازن المصالح بينها، والقوة الأمريكية الصاعدة التي تريد إرساء «سلام دائم وعادل» يضمن النمو وحرية التجارة العالمية، وقد أسست أمريكا طرحها على ما أضحى يُعرف بمبادئ السلام الأربعة عشر، التي أعلنها رئيسها وودرو ويلسون يوم 8 يناير 1918، في خطاب له أمام الكونغرس حمل أفكاراً جديدة تقوم على حرية التجارة والاتفاقات المفتوحة والديمقراطية وحق الشعوب في تقرير مصيرها وتوفير مناخات السلام العادل والنمو لكل دول العالم.

ولم يكن هذا الطرح الأمريكي حينها ليرضي القوى الاستعمارية الكلاسيكية التي تهيمن على دول ومجتمعات عدة، وتريد المحافظة على التوازنات القائمة، وعلى مصالحها كاملة، ما أفرز معاهدة «فرساي» للسلام في 28 يونيو 1919، التي تم تغييب ألمانيا عن توقيعها، واعتبرت حينها حاملة في طياتها جنين الحرب الكونية الثانية، ما يبدو أنه دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى توقيع سلام منفصل مع ألمانيا، خصوصاً بعد رفض الكونغرس التصديق على المعاهدة.

ومع الانقلاب المدهش في الأدوار، حيث تحولت الآن الولايات المتحدة الأمريكية من قوة تقدمية تريد «السلام العادل والدائم»، الذي يضمن حرية التجارة والحق في النمو وفي تقرير المصير، إلى قوة تسعى بكل الوسائل إلى المحافظة على مصالحها وعلى موازين القوى الحالية التي تضمن هذه المصالح، نستحضر اليوم هذه الصفحة من التاريخ الإنساني خوفاً من مأساة إعادة ما حصل سابقاً، ونستحضرها ثانياً وأساساً بمناسبة الأمل الذي حمله إلينا الحدث العلمي الإماراتي اللافت، وهو إطلاق «المستكشف راشد» نحو سطح القمر، والذي تزامن مع عيد الاتحاد لدولة الإمارات، وكذلك تزامنه مع انعقاد القمة العربية الصينية مؤخراً في الرياض.

إن قدر التاريخ هو السير إلى الأمام، وإن «السلام» المبني على توازن القوى والمصالح الحالي فشل فشلاً ذريعاً في إرساء السلام والاستقرار في العالم بعد الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وكثيرة هي الدول التي اختارت سبيل التنمية والتقدم والتفوق والبحث العلمي والتضامن المجتمعي مع شعوب العالم الأخرى، واعتبرت أن السلام الدائم لا يمكن تحقيقه إلا إذا كان قائماً على العدالة الاجتماعية وضمان الحريات وحقوق الإنسان، التي منها احترام الخصوصيات الثقافية الوطنية، وهذه المعاني عبّرت عنها القمة العربية الصينية المنعقدة مؤخراً في الرياض.

ويُحسب لبعض دولنا، وهي قليلة جداً، التي كانت لها سياسات استباقية في هذا الخصوص، أنها عمدت إلى إرساء علاقات تعاون استراتيجي مع الصين قوامها البحث العلمي والشراكة الاقتصادية والتنسيق السياسي في المسائل السياسية.

إن دولة الإمارات العربية المتحدة هي مثال يُحتذى في هذا المجال، حيث فهمت كُنْهَ توظيف قدراتها التي حباها الله إياها في وضع أسس تنمية مستدامة وتضامنية تولي المسائل البيئية مكانة مهمة، ويحتل فيها البحث العلمي موقعاً محورياً.

ومنذ قرارها بالدخول بقوة في اقتصاد المعرفة وتركيزها على البحوث العلمية الأساسية، ثم قرارها الاستراتيجي بإطلاق برنامجها الفضائي، ما انفكت دولة الإمارات العربية المتحدة تقطع المراحل تباعاً من أجل الوصول إلى أهدافها، بدءاً بإرسال أول رائد فضاء إماراتي في 12 أبريل 2019، ثم إطلاق مسبار الأمل نحو كوكب المريخ في 20 يوليو 2020، ووصولاً إلى إرسالها أمس الأحد 11 ديسمبر 2022 «المستكشف راشد» إلى سطح القمر، لتكون رابع دولة تصل إلى القمر بعد أمريكا والاتحاد السوفييتي السابق (روسيا حالياً) والصين.

إن استراتيجية القرار الإماراتي بتوخّي طريق البحوث العلمية الأساسية تدلل بوضوح على مدى الوعي الراسخ لدى القيادة الإماراتية بأهمية الاستثمار في قيمتي العلم والمعرفة للاقتناع بأن ذلك هو السبيل الوحيد للتميز والتفرد والتفوق الثقافي، بعيداً عن التنازع الأيديولوجي والسياسي والرغبة في الهيمنة على مقدرات الآخرين، خصوصاً وأن عائداتها العلمية والاقتصادية ليست آنية، وهو ما يعطي قيمة مضافة واستثنائية لأصحاب الإرادة السياسية التي قررت رفع التحدي المعرفي والثقافي.

إن الحروب قد تحقق بعض الأهداف الوقتية، لكنها ستكون بالتأكيد وبالاً على الجميع مستقبلاً، ولا مناص من اعتبار مستقبل الأوطان والشعوب هو في سلك طريق المعرفة والتميز لضمان الحرية والديمومة للأوطان والمجتمعات.

طباعة Email