ديوانُ الوطن الكبير .. أصالة وتاريخ

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ نشأة هذه الدولة الزاهرة، دولة الإمارات العربية المتحدة، وديوانها الكبير مفتوح أمام الإنسان، كل إنسان يعيش على ثرى هذا الوطن الحبيب، وكانت مجالس قادته الكبار هي البيت الكبير الذي تجتمع فيه قلوب أبناء الوطن حول قادتهم، وعلى خُطى هؤلاء القادة المتواضعين المشرعة قلوبهم قبل بيوتهم لأبناء وطنهم، سار صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، الذي يضرب كل يوم أروع الأمثلة في التواصل مع أبناء شعبه بكافة أطيافهم ومراتبهم، ويفسح لهم في ديوانه الواسع العامر أكرم المجالس، سُنّةٌ كريمة تلقاها عن آبائه وأجداده الكرام، وسلوك متحضر عميق التجذر في ثقافتنا العربية الإسلامية، حيث كان الحكام العقلاء يفسحون مجالسهم لأهل العلم والفضل، لتكون هذه المجالس فرصة للتشاور، وإبداء الآراء حول ما يعود بالخير على الوطن والإنسان.

في سيرته الذاتية الرائعة المشتملة على أعمق العِبَر والدروس (قصتي: 50 قصة في خمسين عاماً) وفي القصة الثانية عشرة، والتي جاءت بعنوان «ثلاثة دروس من بداية حكم راشد»، يقصّ علينا صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد واحداً من أعمق تقاليد الحكم التي كان يمارسها والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، الذي كان من قراراته الأولى بعد توليه مسؤولية الحكم في دبيّ، أن قام بتأسيس مجالس للبلدية والتجار وغيرهم من الأشخاص الموهوبين في مجتمع دبيّ، وحين سأله صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد عن سبب دعوته لكل هذه الوجوه، نظر إليه بجدّية وقال: «الإنسان لا يتوقف عن التعلم، نريد منهم أن يخبرونا كيف يريدون أن نبني دبيّ، نريدهم أن يعلّموك كيف تكون قائداً، فقد بدأ تدريبك الآن».

بكل هذا الوضوح والشفافية يفسر باني دبيّ، رحمه الله، سرّ هذا التواصل الرشيد مع جميع القوى والأطياف الفاعلة في مجتمع دبيّ، ليُعلّق صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد على هذا الكلام الثمين بقوله: «كان ذلك أول درس تلقيتُه على يد راشد. كان الكلام عميقاً وبسيطاً، وكنت أدرك عمقه وأهميته وعظمته كلما كبرت، وكلما زادت مسؤولياتي، نعم الإنسان لا يولد كاملاً، هو بحاجة لعقل غيره لاستكمال عقله ورأيه، وهو بحاجة لتعلم مستمر لا يتوقف مهما بلغ من منزلة، القائد بحاجة لمشورة من حوله أيضاً لكسب تأييدهم لخططه ومشاريعه، فلا يتكبر على النصيحة والمشورة إلا جاهل».

تأسيساً على هذه المواقف الثمينة في حياة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد، جاء هذا المجلس الأسبوعي الزاهر الذي يستقبل فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ثُلة كريمة من بنات الوطن وأبنائه، ويستمع إليهم بقلب القائد المفتوح الذي يستخرج بحكمته وعميق نظره ونافذ بصيرته أفضل ما عندهم من الرؤى والأفكار، والتي تصبّ بكل تأكيد في نهر الخير لهذا الوطن المحظوظ بقادته ورجاله، وقد عبّر سموه عن حفاوته الصادقة بهذه الكوكبة الكريمة التي تتشرف بزيارة ديوانه العامر، فكتب على حسابه في إنستغرام كلمة مقتصدة عميقة الدلالة على رسوخ هذا السلوك الحضاري في مسيرة الدولة، حيث قال: «ستظل الإمارات قِبلة العلماء تُحفّز كل فكرٍ يخدم الإنسان، ويدفع مسيرة تقدّم البشرية، ويعالج ما يواجهها من تحديات» مع مادة تصويرية في غاية الروعة والجاذبية تعرض جانباً من استقبال سموه لهذه الكوكبة من أبناء الوطن الذين عبّر سموه عن عمق العلاقة التي تربطه بهم حين افتتح سيرته الذاتية بهذه الكلمات التي تفيض نبلاً وعاطفة صادقة، حين قال: «أحبّ لأبناء شعبي الخير، وهم يحبون لي النجاح»، لتكون هذه المعادلة هي جوهر العلاقة بين سموّه الذي أعطى عمره الميمون وقلبه الصافي لهذا الوطن الحبيب، وبين أبناء شعبه الذين يرفعون الرأس عالياً بإنجازات سموه، ويعملون معه بروح الفريق المتجانس الذي لا يعرف الراحة إلا لكي ينطلق في رحلة إبداع جديدة وإنجاز متميز يُضاف إلى سجلّ هذا الوطن الزاخر بالإنجازات الفريدة وحقائق التقدم المتميزة.

إنّ من يُحدّق بعين البصيرة في سيرة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد وشخصيته ومسيرته المبدعة في العمل والإنجاز، سيجزم قطعاً بأنّ جوهر شخصية هذا القائد الفذّ يقوم على ثنائية الاستلهام والإلهام، فهو ومنذ بواكير حياته كان ينظر بعمق إلى ما حوله من الأحداث والمواقف والأشخاص، ويعقد العزم على تحقيق المستحيل من لحظة الاستلهام هذه لتكون هي مصدر إلهام للإنسان الإماراتي، وتقدم للطلائع القادمة أعمق الدروس في مواجهة الحياة وبناء مسيرة التنمية، ليظل سموه بفكره النيّر، وتخطيطه العميق، وجرأته النادرة على اتخاذ القرار قائداً مُلهِماً، تستلهم منه الأجيال أروع الدروس في مواجهة الحياة وبناء الوطن والارتقاء بالإنسان.

وكأني بالشاعر العباسي بشار بن بُرد كان ينظر بعين قلبه إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حين قال أبياته الشهيرة في فضيلة الشورى وقدح زناد الخبرة من الآخرين، حيث يقول:

أقـــــــول لبسّامٍ عليــــه جلالةٌ

                      غدا أريحيّاً عاشقاً للمكــــــــارم

إذا بلغ الرأي المشـــــورةَ فاستعنْ

                   برأي نصيــــــحٍ أو نصيحة حازم

ولا تجعل الشورى عليك غضـاضةً

                     فإنّ الخـــــــوافي قوّةٌ للقــــوادم

وما خيرُ كفٍّ أمسك الغُـــلُّ أختها

                   وما خير سيــــــــفٍ لم يؤيد بقائمِ

هي الإمارات الرحبة الواسعة التي ستظل مورداً لكل خير، وهم قادتها وفرسانها الشجعان الذين ورثوا حكمة الشيوخ وشجاعة الصقور، فطاب بهم الوطن، وخفق معهم اللواء.

طباعة Email