عبد العزيز المقالح.. بوابة اليمن على العرب

ت + ت - الحجم الطبيعي

تواصلي معه كان على نحو متقطع، تارة عبر الهاتف، وأخرى من خلال بعض الأصدقاء المشتركين، في الأولى أتقصّد سماع صوته، وفي الثانية أطمئن على أحواله، لا سيما الصحية التي كان يشي بتقلباتها أحياناً صوته الواهن، وكان من الطبيعي أن يطاله من المعاناة نصيب، مثلما طال الآخرين من أذى نفسي، وعينه ترى على الأرض حرماناً وأحزاناً لم يتخيل أن تقع يوماً له ولمواطنيه، وفي مكانه الأثير، صنعاء، المدينة التي انقلب حالها رأساً على عقب منذ سنوات ثقيلة وطويلة كظل القطارات، ولم تعد تلك المدينة التي كانت، فقدَت صباحاتها الندية ومساءاتها المطيرة الهادئة، كانت حبيبته التي لا يقدر على فراقها يوماً واحداً، وهو الذي حدث الدهر عنها وعنه ذات منفى: «يوماً تغنّى في منافينا القدر.. لا بد من صنعاء وإن طال السفر/ مهما ترامى الليل فوق جبالها.. وطغى وأقعى في شوارعها الخطر/ إنَّا حملنا حزنها وجراحها.. تحت الجفون فأورقت وزكا الثمر».

حتى في حالات مرضه الشديد التي كان يمر بها، وتستوجب الخروج إلى بلدان الجوار بغرض المعالجة، كان يرفض الخروج، ليس لأنه يخشى ركوب الطائرة كما أشيع وفهم أصدقاؤه والمقربون منه، بل كانت خشيته أن يداهمه الموت خارج أحضان صنعاء، فيموت بذلك مرتين.

والمفارقة العجيبة الغريبة التي نجمت عن وفاة شاعر اليمن الكبير عبد العزيز المقالح، هي علاقته بأحد شهور السنة: سبتمبر، مع اختلاف الأعوام والأحداث، ففي صباح يوم الخميس 26 سبتمبر 1962 دخل المقالح إذاعة صنعاء مع ثلة من المناضلين ليقرأ إعلان قيام الجمهورية العربية اليمنية، ورئيسها المشير عبدالله السلال، وتشكيل حكومة على نحو سريع بغية الاعتراف العربي والدولي. وفي 21 سبتمبر 2014 فوجئ الصنعانيون باستيلاء الحوثيين على صنعاء، وطرد أعضاء الحكومة من مكاتبهم ومقراتهم الرسمية، لتستدعي الذاكرة قولاً، لشدة صدقيته، أدرج في عداد المأثورات، وهو: «إن التاريخ يعيد نفسه مرتين، مرة في شكل تراجيدي، ومرة ثانية في شكل ساخر»، وها هو شهر سبتمبر يأتي على اليمنيين في حالتيه؛ الأولى عام 1962 بوصفه مصدراً للفرح والابتهاج والحرية لكل من شهده وعايش أحداثه، والثانية عام 2014 (وبعد نصف قرن) بوصفه مصدراً للألم والجوع وانعدام الحرية. سبتمبر! يا لك من شهر.. أفراحك أفراح، وأحزانك أحزان!

كان الشاعر المقالح، رحمه الله، ظاهرة متفردة، بل مؤسسة متنقلة، وبوابة اليمن على العرب، وبوابة العرب على اليمن، فما من مفكر ومثقف وأديب وكاتب وإعلامي وناشط عربي، وأجنبي محب للعرب، أو متعاطف مع قضية من القضايا العربية، إلا ودعاه المقالح إلى زيارة صنعاء، ليتعرف عليها، وعلى ثقافة سبأ الموغلة في القدم، وعلى حضارة بلقيس وأروى، أولى الحضارات البشرية، حيث فيها من الحكمة الكثير، والشورى: «ما كنت قاطعة أمراً حتى تشهدون» سورة الروم، وعلى سحر تلك التضاريس الجلية في تشكيلاتها، الخرافية الفنية الآسرة للألباب والقلوب.

إنه فقدٌ جلل لقامة فكرية وأدبية وأكاديمية بديعة ونوعية، سوف يظل أثره حياً عقوداً تاريخية طويلة، تنهل منه الأجيال في اليمن، وغير اليمن من العرب، جيلاً بعد جيل.

رحم الله شاعر اليمن عبد العزيز المقالح، وأخاله في دعائه المخلص هذا الذي كتبه بخط يده، وقد أسعفني به أحد الأصدقاء مشكوراً، أن الله سبحانه وتعالى يتقبله قبولاً حسناً، راضياً مرضياً: «إلهي، أعوذ بك الآن من شر نفسي، ومن شر أهلي، ومن شر أصحابي الطيبين، ومن شر أعدائي الفقراء إلى الحب، من شر ما صنع الشعر، ومن شر ما كتب المادحون، ومن شر ما كتب الحاقدون، أعوذ بك اللهمّ من أرق في عيون النجوم، ومن قلق في صدور الجبال، ومن خيبة في نفوس الرجال.. إلهي، تزيّنت الأرضُ، أنتَ الذي بظلال الندى، بالبحيرات، بالعشب، بالأخضر المتوهّج، زيّنتها، وشعشع ضوؤك في الماء، فاستيقظت الروح، وارتعشت في الأثير المعارج، أنتَ شكّلتَ باللون هذا الفضاء المديد، وأطلعته.. كيف تنفلق الثمرات - عبدالعزيز المقالح، صنعاء اليمن».

طباعة Email