هل يتمكن زعيم ماليزيا الجديد من علاج مآزقها؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

تمكن أخيراً السياسي الماليزي المخضرم، أنور إبراهيم، من تحقيق طموحه في قيادة ماليزيا من بعد 30 عاماً، كان فيها على لائحة الانتظار، وتعرض خلالها إلى المهانة والاعتقال والحبس، والاتهامات الكيدية، على يد رئيس الوزراء الأسبق مهاتير محمد. لكن الرجل يجد نفسه اليوم في مأزق جديد. فالتحديات التي تواجهه كبيرة وكثيرة، وقد تطيح به قبل أن يهنأ بالزعامة، خصوصاً في ظل وجود ساسة كثر يطمحون للحلول مكانه، ويتنافسون بشراسة على كرسيه، ناهيك عن أن ائتلافه يحتكم على الأغلبية البرلمانية البسيطة، بمعنى أنه في حاجة دائمة إلى دعم برلماني من أحزاب أخرى، وهذه الأحزاب قد تتخلى عنه في أي لحظة، إذا لم تلب مطالبها، أو لم تحصل على حقائب هامة في الحكومة. نقول هذا، رغم أن بعض المراقبين يرى العكس، بقوله إن الاتفاق الذي أبرمه إبراهيم بين تحالفه (باكاتان هارابان PH)، وتكتل باريسان ناسيول (BN)، وحزب غابونغان السرواكي (GPS)، يمنحه قوة الاستمرارية والاستقرار.

يمثل صعود إبراهيم ثاني انتقال سلمي للسلطة في هذه البلاد، من خلال صناديق الاقتراع منذ عام 2018، إلا أن صعوده جاء في زمن ماليزي عصيب، يسوده انقسامات سياسية وعرقية وجهوية، ونمو اقتصادي متباطئ، وتذمر شعبي من الفساد والتضخم وسوء الخدمات. وربما كانت هذه العوامل مجتمعة، هي التي دفعت الناخب الماليزي، في الانتخابات النيابية الأخيرة، إلى تفويزه بأكبر عدد من المقاعد البرلمانية (82 مقعداً)، عله يحقق ما عجز أسلافه عن تحقيقه.

صحيح أن أداء البورصة الماليزية تحسن قليلاً بمجرد الإعلان عن تكليفه بتشكيل الحكومة الجديدة، وصحيح أن حلفاء ماليزيا في الغرب رحبوا بتسلمه السلطة، واعتبروه انتقالاً من هيمنة الحزب الواحد منذ الاستقلال، إلى شكل من أشكال التنافسية المطلوبة، لكن كل هذا لن يفيد الرجل، ما لم يثبت سريعاً للداخل، أن بوسعه وضع حد لمشاكل البلاد المتفاقمة.

مطلوب بإلحاح من إبراهيم، أن يعمل أولاً على معالجة الانقسام المسيطر على المجتمع الماليزي بصفة عامة، عبر التأكيد على هوية البلاد الإسلامية، ووسطيتها ونظامها الدستوري، في مواجهة حملات التشكيك في توجهات ائتلافه (PH)، المتعدد الأعراق، والذي يضم حزباً ممثلاً للعرق الصيني، وهو حزب كثيراً ما اتهم من قبل ذوي العرقية الملايوية بميوله الشيوعية. هذا ناهيك عن أن الماليزيين الملاويين (يشكلون نسبة 70 في المئة من أصل عدد السكان البالغ 33 مليون نسمة)، متخوفون من تصريحات سابقة لإبراهيم، دعا فيها إلى نبذ السياسات التي تحابي الأغلبية الملايوية، على حسابات الأقليات الصينية والهندية.

ومطلوب منه أيضاً أن يضع حداً للفساد السياسي المستشري، الذي لا يزال موضوعاً متداولاً منذ فضيحة رئيس الحكومة الأسبق نجيب رزاق، في وقت يتهمه بعض الماليزيين ــ دون دليل ــ بعقده صفقة سرية مع أحمد زاهد حميدي الرئيس الحالي للجبهة الوطنية المتحدة للملايو (UMNO)، فحواها أن يلعب الثاني دور الوسيط لصالح الأول في التكليف الوزاري، مقابل أن يحميه الأول من قضايا فساد متورط فيها.

وبالتزامن، على إبراهيم أن يجد حلاً سحرياً لإخراج البلاد من كبوتها الاقتصادية، عبر اتخاذ خطوات سريعة لاحتواء التضخم، وخلق فرص عمل جديدة، وضمان الأمن الغذائي، مع تعافي البلاد من جائحة «كورونا»، ومعالجة ارتفاع تكاليف المعيشة.

لكن قبل كل هذا، مطلوب منه أن يشكل حكومة قوية متماسكة ومتناغمة ومقبولة، من رموز ائتلافه العريض، المتباينين في توجهاتهم، وهذه عقدة العقد، لا سيما أن هناك شخصيات عديدة تحلم بأن تتولى مناصب متقدمة، مثل منصب نائب رئيس الوزراء، أو حقيبة المال، ناهيك عن حقيقة أن إبراهيم سيجد نفسه قريباً (في 19 ديسمبر الجاري)، أمام مساءلات برلمانية، حول ما إذا كانت حكومته ستعتمد الميزانية الحالية، أم تقدم بديلاً عنها. والمعروف أن وزير المالية المنتهية ولايته، تنكو ظفر الله عبد العزيز، كان قد قدم ميزانية البلاد لعام 2023، بقيمة 80 مليار دولار، في السابع من أكتوبر الفائت، أي قبل حل البرلمان، والدعوة إلى انتخابات جديدة.

ويعتقد الكثيرون أن جلسة المساءلة البرلمانية الأولى، سوف تشهد أيضاً نقاشاً حول مدى شرعية تكليفه بتشكيل الحكومة. حيث إن رئيس الوزراء الأسبق، محيي الدين ياسين، يعتقد أنه هو الأولى بقيادة البلاد من إبراهيم، كونه يتزعم ائتلافه اليميني المعروف باسم «بريكاتان ناسيونال PN» (73 مقعداً)، ويحظى بدعم نواب آخرين كثر، لا سيما نواب (UMNO)، التي حكمت البلاد منذ استقلالها عام 1957 إلى عام 2018، دون انقطاع.

نخالة القول: إن استطاع إبراهيم أن يترجم أقواله وتصريحاته المعلنة إلى أفعال، فإنه سيبقى في السلطة، والعكس صحيح، إن خالف ما قاله مؤخراً، من أنه سيسعى إلى الإصلاح والحوكمة ومكافحة الفساد والمحسوبية والعنصرية والتعصب.

طباعة Email