شخصيات تحت المجهر

محمد أمين قاري.. عشر سنوات في بلاد بيتهوفن وموزارت

ت + ت - الحجم الطبيعي

في 17 ديسمبر الجاري، تحل الذكرى السنوية الأولى لرحيل عازف الكمان السعودي الأشهر الدكتور محمد أمين قاري، الذي ترك برحيله فراغاً كبيراً شعر به محبوه وجميع العاملين بالحقل الفني في السعودية وخارجها، ممن فاجأهم اشتعال منصات التواصل الاجتماعي بخبر وفاته. وحينما تأكد لهم صحة الخبر سارعوا إلى رثائه والترحم عليه والتذكير بخصاله ومناقبه الجميلة. وبطبيعة الحال، لم يكن ذلك مستغرباً تجاه إنسان نبيل كان على مدى سنوات عمره مفعماً بحب الحياة والناس، عاملاً بإخلاص وتفانٍ في مجال تخصصه، بشوشاً لا تفارق الابتسامة محياه، متواضعاً مع الكبير والصغير. وكان الناقد الفني محمد سلامة من أوائل من أكدوا الخبر الصادم فكتب: «انتقل إلى رحمة الله عازف الكمان محمد أمين قاري بعد تعرضه لأزمة قلبية مفاجئة أثناء قيادته للسيارة بجدة، واستطاع التوقف على جانب الطريق دون حصول أي حادث، لكنه توفي رحمه الله متأثراً بالأزمة». أما صحيفة عكاظ (19/12/2021) فقد وصفته بالقامة الفنية الكبيرة على مستوى العزف الموسيقي، وأضافت: «مسيرة فنية حافلة طويت برحيل الموسيقار محمد أمين قاري، عازف الكمان الذي تمرس العزف نصف قرن على الوتريات بأنواعها، وانغمس تحديداً في الولع بآلة الكمان، التي كان يحنو عليها دائماً ويتوسدها بكل اهتمام، فيعزف منها ولها حتى باعد الموت بينهما».

لم يكن اسم الفقيد يذكر إلا وتذكر معه آلة الكمان التي عشقها منذ صباه وأخلص لأوتارها طوال عمره ولم تكن تفارق حضنه. وحينما سئل ذات مرة عن السر في اهتمامه بهذه الآلة الموسيقية الصعبة دون غيرها من الآلات التي كان يجيد العزف عليها مثل الناي والعود والبيانو، أقر بأن سبب غرامه بالكمان هو أنها آلة حساسة وتشكل تحدياً لمن يريد العزف عليها، وأنه قبل التحدي ونجح فيه، مضيفاً إنها تعطي للمقطوعة الموسيقية مذاقاً خاصاً، ناهيك عن أنها أكثر الآلات قدرة على التعبير وأقربها إلى صوت الإنسان والطبيعة البشرية في تجلياتها المختلفة.

والمعروف أن الكمان من الآلات الوترية التي لا غنى عنها في الفرق الموسيقية الشرقية والغربية، ويعود أصلها إلى آلة الربابة العربية ذات الوتر اليتيم. ويقال إن الربابة انتقلت من بلاد العرب إلى الأندلس خلال القرن التاسع الميلادي ومنها إلى أوروبا، حيث جرى تطويرها إلى أن وصلت إلى شكلها الحالي في القرن 16.

ويعتبر «ديفيد اويستراخ» الأوكراني الأصل السوفييتي الجنسية من أشهر عازفي الكمان في العالم، ومثله «سامفيل يرفينيان» الأرمني، و«نيكولا باغانيني» الإيطالي، و«نيكوس تشاتزوبولس» اليوناني، و«أندريه ريو» الهولندي، و«أنا صوفي موتر» الألمانية و«استيفان غارابيللي» الفرنسي. أما قائمة أشهر عازفي الكمان العرب فتضم المصريين عبده داغر وأحمد الحفناوي وأنور منسي ومحمد ماضي ومحمود سرور وعطية شرارة، والعراقي فالح حسن الخزعلي، والسوري أشرف كاتب، والمصري من أصول سورية سامي الشوا واللبناني خليل مكنية، واللبناني من أصل فلسطيني عبود عبد العال، والتونسيين رضا القلعي وعبد العزيز جميل. ويعد محمد أمين قاري، الذي سنتناول سيرته هنا، أحد أهم وأبرز عازفي الكمان في منطقة الخليج العربي وشبه الجزيرة العربية.

الأمر الآخر الذي ارتبط باسم محمد أمين قاري هو مدينة فيينا النمساوية التي عاش فيها فترة من الزمن دارساً في معاهدها، وعازفاً في فرقها، ومنخرطاً في أجوائها الأوبيرالية، ومتماهياً مع مقطوعات عظمائها الكلاسيكية. ولا غرو في ذلك، ففيينا، كانت وما زالت منذ القرنين 18 و19، أهم مركز للابتكار الموسيقي، بل عاصمة الموسيقى في العالم، ومهد الموسيقى الكلاسيكية، وموطن بيتهوفن وموزارت وشوبرت وشتراوس وشوبيرا. أضف إلى ذلك احتضانها لـ «جامعة الموسيقى والفنون التعبيرية» وهي جامعة عريقة تأسست سنة 1817 ويدرس بها أكثر من 3000 طالب يتلقون العلم على يد أكثر من 800 أستاذ محاضر ما يجعلها أكبر مؤسسة فنية في النمسا وواحدة من أكبر المؤسسات من نوعها في العالم. علماً أنها عرفت بأسماء عدة مثل «معهد فيينا الموسيقي» و«أكاديمية فيينا» قبل أن تسمى باسمها الحالي سنة 1989.

ولد «محمد أمين عبد الفتاح قاري» بمدينة جدة عام 1955، ابناً لأب يعمل في التجارة وينتمي إلى عائلة «قاري» الحجازية المعروفة التي أنجبت العديد من الأطباء الاستشاريين والأكاديميين النجباء مثل: الدكتور محمد صالح قاري استشاري الأمراض الجلدية والجراحات التجميلية، والبروفيسور يوسف قاري استشاري أمراض الجهاز الهضمي والكبد، والدكتور عبد الغفور قاري المتخصص في علم المكتبات، والدكتور عبد الهادي قاري المتخصص في علم الكيمياء. علماً أن عائلات كثيرة في مكة وجدة والمدينة المنورة والطائف ينتهي اسمها بلقب «قاري».

استقر محمد أمين لفترة من الزمن في المدينة المنورة، حيث بدأ تعلقه بآلة الكمان بعد أن رأى شخصاً في الحارة يدعى «الأخنف» يعزف عليها ويتجول بها من شارع إلى آخر، فتولدت لديه رغبة في امتلاك مثيلها ما جعله يشتري من أحد المحلات التجارية آلة كمان بدائية صغيرة بمبلغ 45 ريالاً، فكانت تلك هي الآلة الأولى التي تعلم عليها العزف، قبل أن يعود بعد أربع سنوات إلى مسقط رأسه في جدة ويقابل عازف الناي السعودي المعروف «ثواب عبيد» الذي أغراه بتعلم العزف على الناي، فتعلمه سريعاً، ومن الناي انتقل إلى العود الذي تعلم العزف عليه خلال أسبوعين، قبل أن يعود ويهب كل وقته وطاقته لإجادة العزف على الكمان، خصوصاً بعد أن دله أحد أصدقائه على آلة كمان حقيقية من الصناعة الألمانية كانت معروضة للبيع بمبلغ 150 ريالاً، فلم يتردد في جمع المبلغ المطلوب بشق الأنفس لاقتنائها. وفي هذه الأثناء حدث وأن التقى بمواطنه الفنان داوود هارون صاحب العزف المتقن على آلتي العود والكمان، فتعاون معه واستفاد منه كثيراً، وبدأ يشارك كعازف في الحفلات والسهرات الغنائية الشعبية في حارات جدة.

وقد أتى قاري على ذكر ما سبق في مقابلتين تلفزيونيتين إحداهما مع الإعلامي حسين نجار في برنامج «ذكريات» من التلفزيون السعودي، والأخرى مع الإعلامي علي العلياني في برنامج «معالي المواطن» من قناة روتانا. وفي المقابلة الأخيرة أخبرنا أنه وجد ضالته في آلة الكمان، لكن انشغاله بها وخروجه الدائم للسهر والعزف في حفلات الحواري والزواج إلى ما بعد منتصف الليل أثر على دراسته سلباً، ما جعل والده يعاقبه بالضرب ويمنعه من مبارحة المنزل ليلاً.

بعد أن أنهى صاحبنا مرحلة الدراسة الثانوية التحق بجامعة الملك عبد العزيز بجدة للدراسة في كلية الاقتصاد والإدارة، فأمضى بها سنتين دون أن يحقق تميزاً، الأمر الذي دفعه إلى تغيير تخصصه إلى القانون عله يجد في الأخير ما يعالج تعثره الدراسي، لكن دون جدوى لأن الموسيقى كانت مسيطرة على تفكيره وكل حواسه طوال الوقت.

وهكذا قرر والده أن يبعده عن بيئته المحلية وأصدقائه من شلة الفن والطرب والسهر، مقترحاً عليه الذهاب للدراسة في الولايات المتحدة عند شقيقيه عبد الهادي وعبد الغفور اللذين كانا وقتذاك (منتصف السبعينات) ينجزان دراستهما العليا في جامعات ولاية بنسلفانيا الأمريكية. وبالفعل سافر إليهما وسكن معهما، وبدأ بتلقي دروس اللغة الإنجليزية، لكن صادف أن أخذه أحد شقيقيه ذات مرة للعشاء في «مطعم بعلبك» اللبناني، حيث كانت فرقة عربية تعزف، فعرف بنفسه كعازف سعودي وطلب المشاركة معها، الأمر الذي أسعد الحضور، وهو ما أغرى صاحب المطعم بطلبه للعزف لزبائنه مرتين في الأسبوع على الأقل مقابل 100 دولار لليلة الواحدة. فوافق من باب تدبير أموره المعيشية وأيضاً من باب إشباع غرامه بالموسيقي. غير أن الأمر تطور مع انتشار اسمه في أوساط الجالية العربية هناك فصار مطلوباً للعزف في مدن وولايات أخرى.

في هذه الأثناء بلغت أخباره وحكاياته مسامع أخيه محمد صالح الذي كان يدرس الطب وقتذاك في النمسا، فرأى أن أفضل حل ينقذ به أخيه من عثراته وتقلباته هو أن يطلب منه الحضور إلى فيينا للالتحاق بأحد المعاهد الموسيقية. وبهذا بدأ المنعطف الأهم والأبرز في حياة قاري، وذلك حينما حل في فيينا سنة 1977م بهدف دراسة الموسيقى أكاديمياً على نفقته الخاصة.

يقول قاري إن عملية قبوله كطالب في أكاديمية الموسيقى النمساوية لم تكن يسيرة، لكنه تمكن بفضل الله ثم بجهده الشخصي من اجتيازها في أعقاب امتحان صعب ضمن ثمانية طلاب من جنسيات مختلفة، كان هو العربي الوحيد بينهم. ومن حسن حظه أن أحد أصدقائه الدارسين في فيينا آنذاك وهو الدكتور محمود عثمان نصحه بأن يستعد جيداً لامتحان القبول، بل أحضر له مدرساً يونانياً لتدريبه على عزف مقطوعات وسيمفونيات كلاسيكية لباخ وبيتهوفن على البيانو على مدى ستة أشهر، وهو ما جعل الممتحنين ينبهرون بأدائه وقت امتحان القبول ويوافقون على التحاقه بالمعهد.

انصرف قاري لمدة سنتين يدرس اللغة الألمانية قبل أن يبدأ دراسة الموسيقى فعلياً. ومرة ثانية خدمه الحظ بأن وقع عليه الاختيار للتسجيل لدى اثنين من أفضل أساتذة المعهد وهما البروفيسور «توماس كريستيان» والبروفيسورة «باربارا سامونيك». وهكذا أمضى الرجل عشرة أعوام من عمره ما بين عامي 1977 و1987 يدرس في فيينا ويتعلم العزف على مختلف الآلات الموسيقية، مع التخصص في آلة الكمان، ويقتنص الفرص للعزف في الحفلات الخاصة (مثل أعياد الميلاد ومناسبة رأس السنة الميلادية) بمقابل، ويمرن صوته أيضاً من خلال المشاركة ضمن كورال أوبرا فيينا. وقد تخللت الفترة التي أمضاها في النمسا زيارات إلى جدة أثناء العطلة الصيفية، فكان يستغلها في الترد على جلسات الطرب المقامة في منازل بعض الفنانين المخضرمين مثل جميل محمود لمشاركتهم في العزف على الكمان والتعرف على الأصوات الجديدة آنذاك مثل الفنان عبادي الجوهر.

وفي عام 1987 كان على موعد مع جني ثمرة كفاحه التي تمثلت في حصوله على درجة الدكتوراه في الموسيقى بتفوق وامتياز. ونظراً لتفوقه نال جائزة المرتبة الأولى في العزف. بعد ذلك عاد إلى السعودية ليستثمر ما تعلمه في إحداث نقلة نوعية في الفن السعودي من خلال التعاون مع عمالقة الطرب، واكتشاف المواهب الجديدة، حيث كان، رحمه الله، يؤمن ــ طبقاً لما قاله في إحدى مقابلاته التلفزيونية ــ بأن في السعودية مواهب موسيقية وفنية خرافية، لكنها مدفونة بانتظار من يكتشفها.

وهكذا تسيد قاري المشهد الفني السعودي منذ عودته وحتى وفاته، لجهة التواجد في مختلف الفعاليات الخاصة والعامة، ولاسيما الجلسات الطربية في «صالون الفن» ملتقى صديقه الوجيه عبد الصمد ساعاتي، وتقديم ألحان جديدة متسمة بالجمال والرقي ومتميزة بالمزج المتقن بين الموسيقى الشرقية والموسيقى الغربية، وطرح أقراصاً مدمجة تحتوي على عزف مطور على الكمان لأشهر الألحان السعودية والمصرية واللبنانية القديمة والحديثة. علاوة على ذلك، خدم قاري وطنه من خلال العمل كركن من أركان الفرقة الموسيقية السعودية، والمشاركة في حفلات عمالقة الفنانين العرب وفي مقدمتهم محمد عبده.

طباعة Email