قمة الفرنكوفونية في «تونس العربية»

ت + ت - الحجم الطبيعي

انعقدت على مدى اليومين الماضيين في جزيرة جربة التونسية قمة منظمة الفرنكوفونية بعد تأخير عامين بسبب جائحة كورونا، ومنذ العام 1986، تجتمع القمة الفرنكوفونية كل عامين على مستوى رؤساء الدول والحكومات.

وقد جاء انعقاد الدورة الـ 18 للقمة الفرنكوفونية الحالية في ظرف إقليمي ودولي حساس ومعقد، تميز بالخصوص بأزمات عدة في العلاقات بين عدد من دول المنظمة، وكذلك باستمرار أزمة أوكرانيا، والتي ما انفكت تداعياتها على اقتصادات الدول وعلى استقرار الأمن في العالم تكبر، فضلاً على استمرار واشتداد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في أغلب دول العالم.

وانطلقت هذه المنظمة في نسختها الأولى بعاصمة النيجر نيامي يوم 20 مارس 1970 بـ21 دولة لتشمل الآن 88 دولة، بعد أن شهدت في العامين1996 و2006 تغييرات في المسمى والأهداف، وكان يراد للمنظمة الفرنكوفونية أن تكون فضاء يجمع عدداً من الدول، يمثل القاسم المشترك بينها استعمال اللغة الفرنسية، والسعي لتحقيق مجموعة من الأهداف هي، تعزيز العلاقات والتعاون بين الدول المنتمية وخصوصاً في مجالات الثقافة والإعلام والتكنولوجيا وتعليم اللغات بما يؤمن انتشار اللغة الفرنسية، ويضمن التنوع اللغوي، وثاني هذه الأهداف كان دعم الديمقراطية وتطوير مؤسساتها وتقوية ثقافة حقوق الإنسان، وإشاعة السلم والأمن في المجالين السياسي والاجتماعي، وأما أهم هذه الأهداف فكان دعم التعليم والتكوين والبحث العلمي، وتعزيز العلاقات الاقتصادية بما يضمن التنمية المستدامة لكل الدول الأعضاء.

ولا يبدو أن طريق تحقيق هذه الأهداف وخصوصاً ما تعلق بضمان الشروط الكفيلة بتحقيق تنمية شاملة ومستدامة ومتوازنة بين كل دول المنظمة الفرنكوفونية، كانت سالكة، إذ بمرور الأعوام بدأ يتضح أن الدول الأغنى لم تقم بما يكفي لمساعدة الدول الضعيفة - والتي كان أغلبها من المستعمرات السابقة لفرنسا - في مسيرتها التنموية والاقتصادية بما أضعف علاقات هذه «الأطراف» الضعيفة بـ«المركز» القوي ومنه فرنسا وكندا وسويسرا ولوكسمبورغ، وقوى داخلها مناخات معادية للفرانكوفونية وللغرب عموماً بما ساعد على ظهور نزعات قومية أثثت خطابها بمعاداة الاستعمار القديم ورفض الهيمنة الغربية عموماً، وكذلك بترسيخ قضايا الهوية وربطها بتوظيفات الدين والعِرْقِ.

ومع نزوع المشهد السياسي في دول الغرب إلى اليمين واليمين المتطرف وطغيان المصالح الوطنية على التضامن بين الأمم والشعوب وتراجع اللغة الفرنسية، والتي رغم أنها مستعملة مما يقارب عن 321 مليون نسمة، فإن «ديمومة استمرارها واستعمالها مرتهن بوجود منتوج أدبي كبير وغزير، هو مفقود الآن»، كما عبر عن ذلك الكاتب والشاعر والإعلامي التونسي عبد العزيز قاسم في مقال له بمجلة «ليدرز»، والذي أكد فيه أن «اللغة الفرنسية قد لا تكون نهايتها وشيكة، ولكنه في غياب منتوج أدب كبير فإن الفرنكوفونية تبقى إطاراً فارغاً».

إن احتداد الأزمات الاقتصادية في دول الشمال، وصعود اليمين المتطرف والمد القومي والوطني هي من العوامل الأخرى التي أعاقت القدرة على وضع مبدأ التضامن بين الشعوب موضع التطبيق، وسهلت بالتالي تنامي خطاب معاداة الفرنكوفونية، وإن تونس التي كانت من مؤسسي الفرنكوفونية على يد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة بدأت تعرف تحولاً كبيراً في هذا الخصوص، ولعل ما ورد في كلمة الرئيس قيس سعيد خلال افتتاح المؤتمر خير دليل على ذلك، حيث ذكر في خطابه بمقولة الكاتب والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو بأن «اللغة الفرنسية هي وطني» ليقول هو بمناسبة عقد القمة الفرنكوفونية في تونس، إن «اللغة العربية هي وطني».

ويبدو أنه من البيّن أن الرئيس التونسي أراد بعث رسالة واضحة من خلال كلامه هذا؛ مفادها أن بلاده قد تكون قطعت في تقديره مع فلسفة بورقيبة وهو ما قد يفسر عدم الإتيان على ذكره في الخطاب عكس كلمتي الأمينة العامة للمنظمة ورئيس وزراء أرمينيا اللذين أثنيا على الدور التاريخي للزعيم بورقيبة، وإن موقف الرئيس قيس سعيد قد يكون مؤشراً جدياً على تغيير فعلي في الموقف من الفرنكوفونية، ولكنه بالأساس هو خطاب موجه في تقديرنا فقط إلى الداخل التونسي في محاولة منه لنحت ملامح هوية خصوصية للشعب التونسي، قوامها فك الارتباط الكامل مع الموروث البورقيبي الذي طبع سلوكيات دولة الاستقلال منذ 1956 وإلى حد الآن، وإن هكذا مواقف قد تجد بعض الصدى لدى عامة تريد استهلاك ما هو مطلوب من مواقف وخطابات ترتكز على قيم الهوية، ولكنها قد لا تضيف شيئاً لتونس لأنها تحتاج اليوم إلى استثمار كل علاقاتها في الخارج، وخصوصاً الفضاءات التي تعتبر مجالاً حيوياً بالنسبة لها مثل الفضاء الفرنكوفوني وتوسيعه إلى فضاءات أخرى حتى تنهض من غفوتها وكبوتها الاقتصادية والسياسية، ولا ينبغي بحال أن نضيف الانعزال الدولي إلى الانطواء على الذات في الداخل لأن هذا من شأنه أن يزيد في تعقيد الأوضاع.

 

طباعة Email