«الإصلاح الإداري» بعد فوات الأوان

ت + ت - الحجم الطبيعي

الجهاز الإداري في أي بلد أو منظمة عرضة للإصابة بالشيخوخة.

ولذلك تخرج أصوات تطالب بمعالجته وتجديد شبابه ليواكب روح العصر. غير أن إصلاح الجهاز الإداري لا يمكن أن يحدث في ظل عدم الاستقرار السياسي.

وهو أقرب لفكرة تعديل الدساتير التي يصعب أن تحدث في ظل اضطراب سياسي، فلابد أن يستقر المناخ العام حينها يمكن الحديث عن إصلاحات إدارية. ذلك أن الإصلاح الإداري الشامل مرتبط بالإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

ويصعب أن تبدأ جهود الإصلاح من دون تحديد المشكلة. فمهما اشتكى الناس، لابد أن نعرف موضع الخلل. بعد هذا التحليل العميق والمهني، يمكن وضع خارطة طريق لأولويات الإصلاح، وأهدافه واستراتيجيته ومدته. وقبل ذلك لابد أن نتذكر أن الإصلاح الإداري يعني تغييراً، والبشر بطبيعتهم يكرهون التغيير إذا كان يكتنفه الغموض، أو إقصاء لقطاع عريض من الناس في المشاركة في حملة التغيير.

ذلك أن الأصل في التغيير هو الوصول إلى ما يسعد الناس، ويشعرهم بأنهم متساوون أمام القانون، وأن الشخص المناسب صار فعلاً في المكان المناسب، وأن قواعد الحوكمة الرشيدة قد تغلغلت في شتى المؤسسات فانحسرت معها «الفردانية» والمزاجية والشللية، فصار هناك إجراءات واضحة لكل شيء في محاولة لتحقيق العدالة، فضلاً عن تحقيق الأهداف المرجوة للإصلاح.

ومن أهداف الإصلاح الإداري، تحسين أداء الجهاز الإداري عبر رفع كفاءته وتطوير الأفراد وآليات العمل. وإعادة النظر في الدورة المستندية وإجراءات العمل عموماً.

فضلاً عن ترشيد الإنفاق وحسن توزيع بنود الميزانية. ولا إصلاح ملموس من دون تحسين «التعامل مع الجمهور أو العملاء»، بحيث يشعر الجميع أن شيئاً كبيراً يحدث في هذه المؤسسة أو البلاد ككل. وهذا يتطلب تطوير العناصر البشرية ورفع مستويات التدريب إلى أعلى المعايير لنخرج قيادات وموظفين يشار إليهم بالبنان.

وصار يصعب الحديث عن الإصلاح الإداري، في عصرنا، من دون إيجاد مؤشرات قياس للأداء KPIs وربطها بأداء الفرد والمؤسسة من خلال نظام عادل للتقييم لا يمكن أن يرتكز على المزاجية.

والسؤال الذي يطرح نفسه، كيف نبدأ؟ هناك من يبدأ بالإصلاح الإداري من الإدارة العليا، انطلاقاً من فكرة تنظيف السلم تبدأ من الأعلى. وهناك من يبدأ من الأسفل عبر تهيئة الأجيال الجديدة والانتظار لعقود طويلة حتى يتبوأوا مناصب قيادية ويبدأون رحلة التغيير.

بعكس التغيير من الأعلى الذي يمكن أن تبرز ثماره اليانعة أسرع، لأن إحالة المسؤولين المتقاعسين للتقاعد أو الإقالة قد يجعلهم عبرة لمن يعتبر. ميزة هذه الطريقة أنها توصل رسالة فورية وجادة للمستويات الدنيا بأن مشرط الجراح قد يطالهم قريباً إن هم تقاعسوا وأن مسطرة التقييم هي مقدار الإنجار.

وعن الكيفية، هناك «إصلاح شامل» يعد فيه الإصلاح الإداري جزءاً أصيلاً من الإصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وهو ما يتطلب إدخال تعديلات جذرية على مؤسسات الدولة أو قطاعات المنظمات الخاصة.

وهناك «إصلاح جزئي» وهو محاولات لتحديد المشكلات ومواقعها ثم القيام بإجراءات عدة مثل تبسيط الهيكل التنظيمي هنا وهناك، أو معالجة القصور في بعض الجهات، على نحو تدريجي على أمل أن يتحقق الإصلاح الكلي لاحقاً.

الإصلاح أو التغيير سنة الحياة، حتى أكبر الشركات الفائقة الإتقان تتغير، مثل تويوتا التي تعيد النظر دوماً في عملها في محاولة للاقتراب من الكمالية. ومن هذه الفكرة نشأت مفاهيم عدة كالإدارة الرشيقة Lean Management وسكسيغما وغيرهما.

المشكلة ليست في التغيير، بل المعضلة الأساسية عندما لا يعترف متخذو القرار بوجود حاجة للإصلاح الإداري، والأسوأ عندما ينتبهوا لذلك بعد فوات الأوان.

 

* كاتب كويتي متخصص في الإدارة

 
طباعة Email