الحرب في أوكرانيا.. بين المُثُل والواقعية السياسية

ت + ت - الحجم الطبيعي

قد لا يختلف عاقلان في أن تداعيات الحرب الدائرة رحاها في أوكرانيا كانت وستكون كبيرة على اقتصاديات الدول، وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، وكذلك ستكون بلا شك تداعياتها جليّة على الخارطة الجيوسياسية، وقد بدأت الملامح العامة لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب تظهر للعيان.

وإن حدة أزمة الطاقة هي أحد مظاهر هذه التداعيات التي بدأت تلقي بثقلها على استقرار الدول والمجتمعات الغربية على وجه الخصوص، وذلك لجهة تعاظم حركات التململ فيها نتيجة الغلاء المشطّ لأسعار الطاقة عموماً، وهذا التململ أضحى قاسماً مشتركاً بين جلّ دول أوروبا الغربية.

وقد انعكس هذا الغضب الكامن على المشهد السياسي في هذه المجتمعات والدول ليفرز تصاعد المد القومي والوطني، وأيضاً قوى التطرف من اليمين واليسار، وهي تطورات عاشتها المجر وتشيكيا والسويد وإيطاليا وفرنسا، وهي مرشحة لتشمل دولاً أوروبية أخرى.

وأصبح بالتالي من الواضح أنّ المواطن في هذه الدول بدأ يطرح أكثر من سؤال بخصوص مدى تورّط سلطات بلاده في الحرب الروسية الأوكرانية، سواء كان ذلك من خلال دعم الجانب الأوكراني بالسلاح، أو بسبب العقوبات التي تفرضها هذه الدول على روسيا، والتي بدأ الانطباع يسود بأنها تضرّ بالمجتمعات الغربية أكثر من إضرارها بروسيا.

وإذ تشير التطورات الميدانية إلى أن هذه الأزمة الروسية الأوكرانية قد يطول أمدها، وقد لا تنتهي بهزيمة واضحة لأحد طرفي النزاع، خصوصاً روسيا، فإن هذا الحراك في هذه الدول والمجتمعات قد يستمر هو أيضاً حاملاً معه على المستويات الوطنية متغيرات سياسية كبيرة، وعلى المستوى الدولي بروز نظام عالمي جديد، رافض لهيمنة القطب الأمريكي الواحد. ولعل قمة سمرقند الأخيرة هي خير مثال على بداية تشكّل تحالف جديد؛ يتمثّل في «محور آسيوي» لمناهضة «الحلفاء» الغربيين، ومعلوم أن نهاية الحرب بين روسيا وأوكرانيا ستحدد بشكل كبير طبيعة الخارطة الاستراتيجية الدولية المقبلة.

ويعوّل الغرب، وتحديداً أمريكا، على هزيمة حاسمة للجانب الروسي، من شأنها أن تُخرج موسكو من لعبة التوازنات الدولية، وتضعف الصين تحديداً، التي تشير كل المؤشرات إلى أنها ستكون القوة الاقتصادية الأولى في العالم، في غضون الـ 30 سنة المقبلة.

ولا يبدو أنّ الولايات المتحدة الأمريكية والكتلة الأنجلو سكسونية عموماً مدركة تماماً أنها تسهم في تغذية السياسات الحمائية القومية والوطنية التي ستكون الأساس الذي ستنبني عليه التحالفات المقبلة للعالم متعدد الأقطاب.

وإن في ردّة فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المستهجنة لسلوكيات دول غربية عرضت على بعض الدول الغربية الأخرى تعويض الغاز والبترول الروسي بأربعة أضعاف السعر الأصلي، ما يفيد «غياب التضامن» بينها، وبأنّ شرخاً أقيم بين دولها ومجتمعاتها، قد يدفع فرنسا وغيرها من الدول المتضررة من تداعيات الحرب في أوكرانيا إلى اعتماد الواقعية السياسية التي قد تقطع جزئياً مع المثاليات والقيم الطوباوية، وتقتنع بصفة باتّة ونهائية أنّ السلم والأمن واستقرار الدول والمجتمعات مقدّم في كلّ الحالات على المثل والقيم الليبرالية، وعلى الأفكار الثورية والطوباوية، ويبدو أنّ التوجّه السائد قد يكون، القبول بالسيّئ بديلاً عن الكارثة المحدقة، وقد بدأنا بالفعل نعاين أنّ الأخلاق والمثل الليبرالية بدأت تترك مكانها للمصالح والواقعية السياسية والمثل الوطنية والقومية.

ويتجه الرأي إلى أن القطب الأوروبي قد يتأسس على الاقتناع بأن أوروبا متضررة بصورة مباشرة من الأزمة الروسية الأوكرانية، عكس الولايات المتحدة وكندا وبعض الدول التي تتمتع باكتفاء ذاتي في المحروقات.

وقد يكون هذا الاقتناع حاصلاً نتيجة لضغوطات مجتمعية متنامية ستفرض على الحكّام القطع التدريجي مع عقلية الحرب وفرض المثل الليبرالية على الآخرين، بقطع النظر عن الفاتورة التي سيدفعها المواطن الغربي.

إنّ الأصل في اللعبة السياسية هي المصالح، وإنّ الأساس في الدبلوماسية وفي العلاقات الدولية هما السلم والأمن، ولذلك فإنّ الثابت أنّ الأمم والشعوب لم تعد في وضع يسمح لها بالقبول بهيمنة أيّ قطب يدفع دوماً نحو حرب لا يتحمّل تبعاتها.

ونكاد نقول إنّ هذا الوعي الجديد هو الشيء الأعدل قسمة بين الدول جميعها.

 

طباعة Email