«أوبك بلس» والغضب غير المبرر

ت + ت - الحجم الطبيعي

رفض سعودي للتصريحات الأمريكية التي أعقبت صدور قرار «أوبك بلس» يوم 5 أكتوبر الجاري، ودعم خليجي موحد مساند للموقف السعودي ورافض للتصريحات الأمريكية التي فسرت قرار خفض إنتاج النفط من زاوية سياسية مع علم الإدارة الأمريكية بأسباب ومبررات اتخاذه بل معرفتها بكيفية اتخاذ قرارات «أوبك بلس».

الغضب الأمريكي من قرار «أوبك بلس» وارتفاع الحديث عن إعادة تقييم العلاقة الخليجية - الأمريكية مع أنها عميقة وقوية، ولا يمكن الأخذ بجدية لمثل هذا الحديث.

ولكن يعود ذلك الغضب إلى عدم اعتياد الغرب بشكل عام والولايات المتحدة الأمريكية على وجه التحديد على تقبل فكرة رفض طلباتها، فيما يخص المساس بمصالح الدول المنتجة للنفط مع أنهم يدركون حالة التغير الحاصلة فيما يخص الأوضاع الاقتصادية العالمية والتي أثرت سلباً على العديد من المجمعات وكذلك التغير الحاصل في ارتفاع أسعار الطاقة الأخرى مثل الغاز والفحم.

في نظري يتعلق غضب الحكومات الغربية خاصة في هذه اللحظة أنها تربط ارتفاع أسعار النفط الدولية الناتجة عن قانون العرض والطلب بمتغيرين اثنين.

وبالطبع الأول له علاقة بمصالح انتخابية داخلية، وهذا أمر ليس فيه جديد لأن الرأي العام الغربي والأوروبي على وجه الخصوص عادة ما يشن حملات ضغط إعلامية ضد حكومات بلاده إذا تعرضت حياته اليومية لمشاكل وتحديات وصعوبات، قد يكون هذا الأمر في هذا التوقيت لا يخص الأوروبيين، وإنما واشنطن بشكل أكبر لأنها تحاول إعادة صياغة علاقتها مع الغرب مرة ثانية من خلال مواقفها في الحرب الأوكرانية ـ الروسية.

وإذا ما انتقلنا إلى المتغير الثاني، الذي يمكن أن يوضح لنا التصريحات والتهديدات الأمريكية، سنجد أنه له شقان، الأول هو قرب الانتخابات النصفية للكونغرس الأمريكي وهو يعني الكثير للمواطن الأمريكي، كما أن الأمر يتعلق بحسابات سياسية لها علاقة بحالة الشد والجذب بين الغرب بأكمله وروسيا أو الشرق بشكل عام، مع أن قرار «أوبك بلس» لو تم النظر إليه بموضوعية، فهو لا يخرج عن قانون العرض والطلب.

نعيش هذه الأيام حملة تهديدات وتفسيرات سياسية غربية لمعاقبة الدول (13 دولة) التي كانت سبباً في خفض كمية النفط المنتجة يومياً بمقدار مليوني برميل، واتهامات سياسية لا ترقى إلى مستوى مسؤولين يخططون لمستقبل العلاقات العالمية نظراً للمكانة التي يشغلونها في حكومات بلادهم، بل وصل الأمر إلى تحديد نوعية الضغوط التي يمكن أن تمارسها الولايات المتحدة على الدول النفطية، خاصة الخليجية، وإخراج من الأدراج القانون المعروف بقانون «نوبك» والذي اقترح في 2007 وبقي سوطاً موجهاً ضد الدول المنتجة للنفط بإزالة الحصانة التي تمارسها حسب مصالحها.

لا يتناسب الغضب الغربي مع قرار تخفيض كميات النفط المنتجة يومياً، فالأمر له علاقة بموضوع تحشيد المواقف السياسية الدولية ومحاولة زج الدول الخليجية في الأزمة السياسية بين الغرب وروسيا، مع أن هذه الدول تعمل على التوازن كي تسهم في نزع فتيل الأزمة.

ومع ذلك على الغرب أن يستفيق ويعي أن الدول الخليجية تمرست على مواجهة الضغوط والتهديدات المتكررة، فهذه ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة، حيث لطالما كانت هناك محاولات لإقحام دول التعاون في الأزمات الدولية، التي يعمل مفجروها على تقسيم دول العالم إلى (مع وضد).

الـ«لا» السياسية لا تعني الإضرار بمصالح الآخرين بقدر ما هي تعبير عن عدم قدرة الدول النفطية على تلبية احتياجات دولتك، ولو تم النظر إليها وفق حسابات المصالح، فهي ليست كلمة سيئة تستوجب اختلاق عداوات والغضب والصراخ في وقت مطلوب من دول «أوبك بلس» البحث على مصالح مواطنيها والمجتمع الدولي. ومع أن المشكلة تكمن في أن الغرب ينظر إلى مصالحه دون أن يفكر في مصالح الدول الأخرى، فعليهم في المقابل عدم استهجان مواقف الآخرين، لأننا نتكلم من منطق طبيعة العلاقات الدولية.

* كاتب ومحلل سياسي

طباعة Email