«أجيال ورا أجيال»

ت + ت - الحجم الطبيعي

لا أعرف إن كان الذين حضروا حفل افتتاح الدورة الحادية عشرة للمنتدى الدولي للاتصال الحكومي بالشارقة، قد فوجئوا بفقرة «الحلم العربي»، التي أداها كورال «روح الشرق»، على منصة حفل الافتتاح، لكنني أعترف بأنني فوجئت بالفقرة التي أعادتني أكثر من ربع قرن إلى الوراء، إلى منتصف التسعينيات من القرن الماضي، تلك الفترة التي تم فيها إنتاج هذا الأوبريت، الذي ضم عدداً كبيراً من نجوم العالم العربي، وكان الحلم وقتها مشروعاً، وأقرب إلى المنال، مقارنة بالزمن الذي جاء بعدها، والذي نعيش فيه الآن.

تذكرت الصديق أحمد العريان، الذي كان يقيم في أبوظبي وقتها، وهو يحدثني عن عمل فني كبير يحلم بإنتاجه، يقارب في فكرته وتنفيذه نشيد «الوطن الأكبر» الشهير، الذي ألفه أحمد شفيق كامل، ولحنه وقاد فرقة الأوركسترا التي عزفت موسيقاه، موسيقار الأجيال، محمد عبد الوهاب، وغنته مجموعة من أشهر فناني العصر الذهبي في مصر والوطن العربي وقتها، هم على التوالي، عبد الحليم حافظ، وصباح، وفايدة كامل، وشادية، ووردة الجزائرية، ونجاة الصغيرة، ليعود عبد الحليم حافظ فيختم النشيد بكوبليه آخر.

كان النشيد قد قُدِّم أول مرة في يناير 1960، احتفالاً بوضع حجر الأساس للسد العالي، وغناه عبد الحليم حافظ، وصباح، وهدى سلطان، وشادية، ونجاة الصغيرة، قبل أن تظهر النسخة التلفزيونية من النشيد، والتي غابت عنها هدى سلطان، لتظهر فيها فايدة كامل ووردة الجزائرية.

لم يكن الظرف التاريخي الذي ظهر فيه نشيد «الوطن الأكبر» عام 1960، مشابهاً للظرف الذي ظهر فيه أوبريت «الحلم العربي» عام 1996 أول مرة، ولا لظرف إعادة إنتاجه عام 1998 م. ففي عام 1960، كان المدّ القومي العربي قد بلغ مداه، بعد أن تشكلت الوحدة بين مصر وسوريا، وانصهر البلدان في كيان سياسي واحد، هو «الجمهورية العربية المتحدة».

وكانت الأناشيد التي ترسخ وتمجد فكرة الوحدة العربية وقتها، تلقى رواجاً غير عادي بين العرب جميعاً، من المحيط إلى الخليج، وكان حظ هذا النشيد من النجاح هو الأكبر، كونه يتحدث عن مفهوم شامل، لا خلاف عليه، هو مفهوم الوحدة العربية، ولأنه لم ينحز لنظام سياسي معين، ولم يذكر فيه اسم زعيم أو رئيس أو حاكم عربي.

إلى هذه الأسباب، عزا النقاد نجاح النشيد، في الوقت الذي ظهر فيه، ولا يُسأل عما حدث بعد ذلك من انفصام عرى الوحدة المصرية السورية، وحدوث الانفصال، ولا عمّا لحق بالأمة من هزائم عسكرية، غيّرت خرائط دول عربية عدة.

كانت الكثير من الأحلام، قد تحطمت على صخرة الواقع الأليم في النصف الثاني من تسعينيات القرن الماضي، وكان غزو الكويت واحتلالها من قِبَل نظام صدام حسين، قد أحدث شرخاً كبيراً في الجسم العربي.

لهذا، كان التفكير في إنتاج أوبريت يتحدث عن «حلم عربي» في هذا التوقيت، مهمة صعبة، ومغامرة ليس من اليسير الإقدام عليها، لكن أحمد العريان أقدم على إنتاج الأوبريت آنذاك، ونفذه، فتم تكليف الشاعر مدحت العدل بكتابة النص، الذي لحنه حلمي بكر، وقام بتوزيع موسيقاه حميد الشاعري، وشارك في أدائه 23 حالماً عربياً، اجتمعوا معاً من المحيط إلى الخليج، ونفذه 95 فناناً عاشقاً للحلم، كما دوّن منتجه في النسخة التلفزيونية منه.

«إن الإنجازات العظيمة تبدأ برؤية... أو حلم، وتنتهي بحقيقة أو واقع.

كانت لي رؤية... زرعتها حلماً... فكان المخاض... وجاء الميلاد... بإسهامات نخبة من مبدعي عالمنا العربي، تجمعوا معاً من المحيط إلى الخليج. فشكراً لكل من شارك في هذا الحلم، وتطوع في تحقيقه من فناني وإعلاميي هذا الوطن العربي الواحد. وأخص بالشكر دولة الإمارات العربية المتحدة، متمثلة بهيئة الإذاعة والتلفزيون، التي ساهمت في تزويدنا بالمواد الأرشيفية المصورة الخاصة بالحلم العربي.

إن هذا الأوبريت، هو جهد فني متواضع، نهديه إلى المواطن العربي في كل مكان. ومهما تعالت صور المعاناة العربية في هذا الأوبريت، فلا يزال هناك الأمل... ولا يزال الحلم مستمراً».

بهذه الكلمات، وقّع أحمد العريان النسخة التلفزيونية من الأوبريت، والتي مزجت في إخراجها بين كواليس تسجيل الأوبريت، ولقطات للفنانين العرب، الذين شاركوا في أدائه، إلى جانب لقطات أرشيفية، تضمنت مشاهد من أحداث مرّ بها الوطن العربي منذ منتصف القرن الماضي، وحتى العام الذي تم فيه إعادة إنتاج الأوبريت وتصويره.

بعد 10 سنوات، ظهر الجزء الثاني من الأوبريت، تحت عنوان «الضمير العربي». بعد 26 سنة، عدنا نردد كلمات الأوبريت، التي تبدأ بكوبليه «أجيال ورا أجيال...». سوف تبقى الإمارات هي حاضنة الأحلام العربية الكبرى، ولكن من يضمن لنا تحقيق هذه الأحلام، في ظل هذا الواقع؟.

 

طباعة Email