الغنوشي و«الإخوان» وحوار الخديعة

ت + ت - الحجم الطبيعي

«نحن ليس لدينا مشكل شخصي مع الرئيس التونسي قيس سعيد، ولكن لدينا مشكل مع سياسته التي تقوم على الانفراد بالحُكْمِ، وهذا ما يرفضه الشعب التونسي. وبالتالي، نقول له إن السير في هذا الطريق، سيضرّ به، ويضرّ بالشعب، ولذلك ندعوه إلى الدخول في حوار وطني، بدلاً من المواجهة، ونحن نريد طريق الحوار».

بهذه «النصيحة»، اختتم رئيس حركة النهضة الإخوانية، راشد الغنّوشي، حواره الذي أدلى به مؤخّراً إلى «الجزيرة نت»، وإنّ من يقرأ ختام الحوار، يخال أنّ بداياته كانت سِلْمِية المعاني والمفردات، والحال أنّ بقية نصّ الحديث تقطر انتقاداً وتهديداً ورغبة جامحة في الثّأر، وفي تجييش الرّأي العام الشعبي ضدّ الحراك التصحيحي ليوم 25 يوليو 2021، وفي تأليب الأجهزة الأمنية والعسكرية والقضائية، ضدّ ما يصرّ الغنّوشي على تسميته بـ «الانقلاب».

وقد بلغ خطاب التجييش هذا، أقصى مداه، لمّا سوّى رئيس الحركة الإخوانية بين مرحلتي الاستعمار الفرنسي لتونس، وسلطة الرئيس التونسي قيس سعيّد، إذ أكّد أنّه «كان هناك ظلم إبان الاستعمار، وكان هناك تحرير، واليوم هناك ظلم، ومطلوب التحرير».

وطالب الغنّوشي في أكثر من مرّة، الشّعب التونسي بالخروج إلى الشارع، وقلب نظام الحُكْمِ، معتبراً أنّ ذلك هو «انتصار» لقيم الثورة التي تقودها حركة النهضة الإخوانية، وحاول طمأنة الجميع، بأنّ الاحتجاجات ضدّ الرئيس التونسي، لن تثير حفيظة الجيش والأمن، فالتجربة، كما قال في حديثه، علّمتهم «أن الجيش والأمن يقفان في صفّ الشعب، لذلك فيوم يتحرك الشعب، فإن (تقديرهم) هو أن الجيش الوطني لن يطلق الرصاص لحماية قيس سعيد، وبالتالي، عليه ألاّ يعوّل طويلاً على القوة الصلبة»، لأنها «قوة وطنية جُعلت لحماية الشعب، وليست أداة بين يديه للقمع».

إنّ حديث الغنّوشي إلى «الجزيرة نت»، التي دأب على تداول التحدّث إليها مع وكالة الأنباء التركية، يؤكّد أوّلاً، ومرّة أخرى، تشبّع رئيس حزب حركة «النهضة»، بثوابت فكر «الإخوان» الأساسية: احتراف التحايل والادّعاء السياسيين، من خلال التبنّي المزيّف والخادع والكاذب للقيم الديمقراطية، حيث كان دائم التأكيد على أنّ «الإسلام السياسي» متعدّد، ومعلوم أنّ حركة النهضة الإخوانية، ألبست في كلّ مرحلة هذا «الإسلام السياسي» عباءة مختلفة، فإمّا هو شديد الارتباط بالدعوة والجهاد، وإمّا هو «إسلام ديمقراطي»، أو هو كما ذهب في حديثه الأخير «إسلام تشاركي»، والحال والحقيقة، أنّه بما لا يدع مجالاً للشكّ «إسلام إخواني»، والاختلافات هي مجرّد تفاصيل، وثاني هذه الثوابت، هي قلب الحقائق، وذلك أساساً بطمس تاريخ هذه الجماعات الدموي والاستبدادي، وتقمّص دور الضحية، والإيهام بأنّها تدافع عن قيم الديمقراطية، ولا تسعى مطلقاً إلى السلطة، إذ إنّ الهدف من تعبئة الشارع ليس «إسقاط نظام قيس سعيد للعودة للسلطة، وإنما (الهدف هو) إسقاط الاستبداد للعودة للديمقراطية»، كما شدّد على ذلك في حواره. وأمّا ثالث هذه الثوابت، فهو معاداة الدولة المدنية الوطنية، من خلال التمسّك بحلم الخلافة.

وإنّ هذا الحديث يكشف ثانياً وأساساً، أنّ الفكر الإخواني واحد، سمته الطاغية هي «الانحناء للعاصفة»، فبعد أن فشلت محاولات الحركة الإخوانية الدولية في حشد التأييد الإقليمي والدولي لصالحها، وبعد أن تقلّصت حواضنها الداخلية والوطنية، وبعد أن فتحت في وجهها أبواب «جهنّم» قضائياً وسياسياً، وإثر فشل كلّ مناورات التحايل السياسي، ولأنّ لغة التهديد لم تؤتِ أكلها، جاء خطاب وحديث التحذير والنصيحة، الذي انتهجه رئيس الحركة الإخوانية، ليخفي رغبة جامحة في إيجاد مدخل للحوار معها، وهو الأمر الذي يرفضه إلى حدّ الآن، الرئيس قيس سعيّد.

وإنّ في التردّد الذي لازم الرئيس التونسي تجاه الحركة الإخوانية، منذ حركته الشجاعة في 25 يوليو 2021، ما يبرّر استمرار الغنّوشي وغيره في الكلام، وإنّ في عدم سعي الرئيس سعيّد إلى لمّ شمل الطيف المدني والسياسي الوطني المعادي للفكر الإخواني ما يفسّر تعطّل مسيرة الإصلاح، وإظهارها كسياسة انفرادية.

وقد تكون العقدة أنّ الرئيس قيس سعيّد، قطع شوطاً في اتّجاه القضاء على منظومة الإخوان، ولكنّ الطريق أمامه طويل، حتّى يقطع مع الفكر الإخواني.

ونختم بالقول، إنّ تلويح راشد الغنّوشي في حديثه إلى «الجزيرة نت»، بترك رئاسة الحركة الإخوانية، نراه من باب محاولة تحسين شروط التفاوض حول مستقبله السياسي، ولأجل لمّ الشمل الداخلي للحركة الإخوانية، والذي أضحى مستحيل التحقيق.

 

طباعة Email