عالم تصنعه القطارات!

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقول مثلنا الإماراتي الجميل «الجنة من دون ناس ما تنداس»، فالبشر مفطورون على التواصل في ما بينهم، والحياة في تجمعات تُشعِرهم بالكينونة والأهمية والانتماء والأمن.

فالعزلة قاتلة للروح وللأمل، ولن تُوجَد تلك الكينونة وتعلو تلك الأهمية، ما لم يجد الإنسان وسائل للتواصل المادي تحديداً بينه وبين مَن حوله، وربما كانت سكك الحديد، إحدى أهم منعطفات البشر لتكوين وتعزيز قومياتهم وأوطانهم، وبث الحياة في الأرض الموات!

إنّ ظهور القطارات قد غيّر العالم بدءاً من القرن 19، فقَطَعَ الركاب في يوم مئات الأميال، بينما في السابق لم يكن أحد يستطيع السفر أسرع من سير الحصان، وبحد لا يتجاوز 20 إلى 30 ميلاً باليوم، والبضائع التي كانت تأخذ أسبوعاً لقطع 100 ميل، أصبحت تحتاج ليوم واحد، كما تغيرت عادات الناس، لكثرة اختلاطهم بسكان المدن الأخرى، وظهرت على السطح رفاهية الذهاب في عطلة الأسبوع للمدن الساحلية، بعد أن كانت حكراً على أهلها!

يذهب كريستيان وولمر مؤلف كتاب (دم، فولاذ وذهب)، إلى أبعد من ذلك، حين يؤكد أن سكك الحديد كانت عاملاً حاسماً في تشكّل الدول، فألمانيا وإيطاليا، لم يكن بالإمكان توحيدها لولا شبكات القطارات التي مُدّت بين أطرافها، كما أنّ نجاح بلجيكا بمد شبكتها سريعاً، كان أكبر دليل على استقلالها التام عن هولندا، بل إن الولايات المتحدة لم تكن لتتحّد فعلاً.

لولا شبكات القطارات، فها هو البروفيسور جيمس روندا صاحب كتاب (الغرب الذي صنعته سكك الحديد)، يذكر أن سكك القطارات حوّلت كاليفورنيا من ولاية منسيّة ومنعزلة عن الولايات المتحدة، لتصبح قوة اقتصادية وسياسية كبرى، وأطلقت فورة النمو المتسارع لها، وبعد مدّ تلك المسارات من سواحل الأطلسي إلى المحيط الهادئ غرباً، خرجت من العدم أكثر من سبعة آلاف مدينة وقرية!

أمّا البروفيسور هنري براندز مؤلف كتاب «أحلام الإلدورادو: تاريخ الغرب الأمريكي»، فيقول إن الدستور الأمريكي قدّم الإطار القانوني لسوق وطنية واحدة، بينما كانت شبكة القطارات هي الإطار المادي، ومعاً وفّرا للولايات المتحدة أكبر سوق داخلي في العالم، الأمر الذي وضع الأساس للتوسع السريع للصناعة والزراعة الأمريكية، لنقطة أصبحت أمريكا في ما بعد سنة 1890، الاقتصاد الأقوى على الكوكب.

وحتى لا يظن البعض أنّ القطارات «دقة قديمة»، وقد خرجت وسائل نقل عالية التقدّم، فإن من المهم أن نقف مع كريستيان وولمر، وهو يؤكد أنّ المستقبل للقطارات.

فمع ارتفاع أسعار الطاقة، وازدحام الطرقات واختناق الحركة في المدن الكبرى، فإنّ البشر أصبحوا يعودون بالتدريج لتفضيل القطارات الحديثة لتنقلاتهم، ولنفهم أكثر، يجب أن ننظر لرحلات قطارات الأنفاق في لندن وحدها، والتي تبلغ 3 ملايين رحلة يومياً، وكم كان الوضع سيكون كارثياً من الناحية المرورية، لو استخدم الناس سياراتهم الخاصة.

كما أن الكفاءة الكبيرة في حجم المنقول من البضائع وسرعة الوصول لأماكن التوريد، تجعل القطار لاعباً متفوقاً في تعزيز التجارة البينية وتدعيم سلاسل التوريد.

في زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الرسمية للشقيقة سلطنة عمان، ولقائه بأخيه جلالة السلطان هيثم بن طارق سلطان عمان، تم توقيع عدد من الاتفاقيات الهامة، التي من شأنها تعزيز الصلات بين البلدين الشقيقين، ومن ضمنها كان تأسيس شركة مشتركة بين الاتحاد للقطارات، وقطارات عمان، برأسمال بلغ 3 مليارات دولار أمريكي، لتنفيذ وتشغيل شبكة سكك حديدية تربط ميناء صحار بشبكة السكك الحديدية الوطنية الإماراتية.

وسيمتد هذا المسار بين صحار وإمارة أبوظبي لمسافة 303 كيلومترات، وسيعمل على تقديم خدمات حديثة وآمنة وسريعة، لنقل الركاب وشحن البضائع، إذ تصل سرعة قطار الركاب إلى 200 كيلومتر في الساعة، ويقطع المسافة بين صحار وأبوظبي في 100 دقيقة، و47 دقيقةً بين صحار والعين، بينما تصل سرعة قطار البضائع إلى 120 كيلومتراً في الساعة.

إنّ الروابط بين البلدين متجذّرة منذ الأزل، وتشير الدراسات التاريخية، إلى مسارات تجارية مشابهة منذ عصر حضارة ماجان قبل أربعة آلاف سنة وما بعدها، كانت تربط بين صحار ومنطقة توام (العين والبريمي حالياً)، ومنطقة مليحة بالشارقة، وأم النار بأبوظبي.

وما تأسيس سكة الحديد الحالية، إلا استمراراً لذاك التواصل والتكامل، من أجل دعم وتنويع الاقتصاد الوطني بالبلدين، وربط المراكز السكانية والصناعية والتجارية، وتعزيز قطاع الخدمات اللوجستية، ودعم نمو وتسويق المراكز السياحية، وتقوية الروابط الاجتماعية بين شعبي الدولتين الشقيقتين.

إنّ التكامل بين دول المنطقة ضرورة وليس خياراً، فالتحديات التي يحملها المستقبل كثيرة، والعالم يتكتّل شرقاً وغرباً، ومصيرنا أن نكون معاً دوماً، كما كان هو النهج منذ الأزل، فالقادم عالم يُشكّله الأقوياء، ولا مكان فيه للصغار، وقدرنا الذي نؤمن به، أننا كبار دوماً، نحن أمام عالم مختلف، عالم تصنعه القطارات من جديد!

* كاتب إماراتي

طباعة Email