«حكايات أهل الفن»

حكاية صناعة فيلم «ممنوع الحب»

ت + ت - الحجم الطبيعي

في عام 1942 قرر محمد عبد الوهاب أن ينتج فيلمه السينمائي الخامس بالتعاون مع المخرج محمد كريم، من بعد أفلام الوردة البيضاء - 1933، دموع الحب - 1935، يحيا الحب - 1937، يوم سعيد - 1939. وقتها أراد عبد الوهاب أن تكون قصة فيلمه الجديد مختلفة وأن تقف أمامه فتاة لم يسبق لها الظهور في السينما، رافضاً فكرة الوقوف مجدداً أمام بطلات أفلامه السابقة. وهكذا راح المخرج على مدى شهور يبحث عن قصة مناسبة إلى أن اهتدى إلى قصة من تأليف الأديب عباس علام، فسارع إلى الاجتماع به في حي شبرا لبحث تفاصيل القصة التي كانت تدور حول فكرة الثأر حينما تتحول إلى مواقف من التعصب المضحك الخالي من العقل والاتزان. فقد حدث خلاف بين أسرتين يرجع عهده إلى أيام بعيدة لا تذكرها الأجيال الجديدة من أفراد الأسرتين، وسببه أن حماماً من إحدى الأسرتين لاف على حمامة من الأسرة الأخرى، فأصبحت القضية مسألة عرض وشرف توارثتها الأجيال.

بعد ذلك اجتهد المخرج للعثور على الفتاة المطلوبة على ألا يزيد عمرها على 18 عاماً، فلفت نظره، وهو يقلب ألبومات هواة التمثيل، صورة لفتاة كان من المقرر أن تشارك في بطولة فيلم الوردة البيضاء، لكن تم استبعادها بسبب صغر سنها آنذاك، فغابت مذاك عن الأنظار. سارع كريم إلى الاتصال بها، فجاءت مسرعة لمقابلته في مكتب بيضافون بالموسكي.

لم تكن هذه الفتاة سوى «اعتدال جورج عبد المسيح» التي اشتهرت لاحقاً باسمها الفني (رجاء عبده) المولودة سنة 1919 والمتوفية سنة 1999، والتي فاجأت المخرج محمد كريم حينما التقاها للاتفاق على بطولة «ممنوع الحب» بنضوجها وجمالها المصري الأصيل، لكنه في الوقت نفسه تردد في الموافقة عليها بسبب وزنها الزائد غير الصالح لأداء الدور أو حتى الظهور على الشاشة. ويبدو أن رجاء أحست بفطرتها أن كريم متردد، فسارعت للقول: «تخينة شوية، مش كده؟»، ليرد عليها كريم: «أنت تخينة قوي، وما تصلحيش تشتغلي في السيما»، لتجيب: «طيب أخسس نفسي».

وبالفعل بذلت رجاء جهداً جباراً كي تنقص وزنها، فخسرت 15 كيلوغراماً في غضون عشرة أيام، فصارت فتاة رشيقة القوام، جميلة المحيا، بهية الطلة. وبهذه الصورة بدأت تذهب إلى مكتب عبد الوهاب للتدرب وحفظ الحوار وتعلم طريقة الإلقاء استعداداً لتصوير الفيلم المنشود. وبقدر ما فاجأت رجاء المخرج كريم، فإنها فاجأت عبد الوهاب بذكائها اللماح وقدرتها السريعة على إتقان الحوار، ناهيك عن مهارتها في التعبير بعينيها.

وحينما جاء وقت اختيار الملابس التي ستظهر بها في الفيلم في دور الفتاة الأرستقراطية، تقرر أن تكون المصممة والخياطة هي مدام شارلوت التي كانت من أشهر خياطات مصر وقتذاك وكانت تملك محلاً في شارع قصر النيل تبيع فيه أحدث موديلات الأزياء المستوردة من باريس. وافقت مدام شارلوت على المساهمة في فيلم عبد الوهاب الجديد بالملابس، لكنها اشترطت ألا يرى أحد من عملائها ملابس الفيلم وموديلاته الحديثة خوفاً من الحسد، خصوصاً وأن الزمن الذي نتحدث فيه كان زمن الحرب العالمية الثانية.

وبالعودة إلى رجاء عبده، نجد أن ذكاءها وسرعة بديهتها وإتقانها الغناء بصوت جميل ومخارج واضحة، ثم سرعة استيعابها لمتطلبات التمثيل السينمائي لم يكن غريباً. فقد ولدت لأب كان يعمل في هيئة التلغراف العمومية ويهوى الموسيقى والفنون ويعزف على العود، ولأم كانت تحرص على المشاركة في التراتيل والترانيم الكنسية، وكان لها شقيقان أحدهما يعزف على الكمان والآخر يعزف على البيانو والقانون، وهو ما جعلها تعشق الغناء وتتدرب عليه منذ صغرها على يد صديق والدها الملحن القديم داوود حسني، وذلك قبل أن تمارسه في الحفلات المدرسية وساعات خلوتها مع صديقاتها، وصولاً إلى غنائها من خلال محطات الإذاعة الأهلية والحكومية في العصر الملكي. ومن ناحية أخرى حرص والدها على أن تتلقى تعليماً جيداً فأدخلها مدرسة «سيدة الرسل» للراهبات، ثم ألحقها بمدرسة «صالحة الابتدائية»، فمدرسة نوتردام الثانوية.

ورجاء عبده، تركت بصمة لا تنمحي في ذاكرة عشاق الطرب الأصيل، من خلال غنائها أغنية «البوسطجية اشتكوا من كتر مراسيلي» التي أثارت جدلاً كبيراً بعد قيام ثورة يوليو 1952، وتم منع بثها من الإذاعات المصرية لسنوات طويلة بسبب حساسية النظام الجديد من كلمة «البوسطجية» كون والد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عمل ساعياً للبريد. والمعروف أن رجاء أدت الأغنية في فيلم الحب الأول - 1940، وهو أحد 14 فيلماً قدمتها للسينما.

طباعة Email