شارل ديدييه.. موثق أوضاع الحجاز في القرن الـ19

ت + ت - الحجم الطبيعي

أوروبيون كثر أخذوا على عاتقهم القيام برحلات في الخليج وشبه الجزيرة العربية منذ القرن 16 الميلادي، لأغراض مختلفة. وقد أسدوا خدمة كبيرة للباحثين والدارسين، لأنهم سجلوا كل شاردة وواردة قابلتهم، مع وصف دقيق لمسار رحلاتهم، وأوضاع المناطق التي مروا بها، وأحوال الشعوب التي تعاملوا معها، فخـُلدت بذلك أسماؤهم. من بين هؤلاء الرحالة يبرز الفرنسي «شارل ديدييه»، واضع كتاب «الإقامة في رحاب شريف مكة الأكبر»، الذي سجل فيه بالتفصيل رحلته من القاهرة إلى سانت كاترين في سيناء، فإلى كل من ينبع وجدة والطائف، قبل العودة إلى جدة عام 1854 م، للرجوع منها إلى بلاده.يعد ديدييه، إلى جانب شغفه بالرحلات الاستكشافية، شاعراً وروائياً وكاتباً صحافياً، وهو ما جعله يبدع في تأليف كتابه سالف الذكر، الذي صدرت طبعته الأولى بباريس سنة 1857، قبل أن تصدر طبعته العربية سنة 2001، تحت عنوان «رحلة إلى الحجاز في النصف الثاني من القرن 19 الميلادي»، عن دار الفيصل الثقافية، بتوقيع المحقق والمترجم السوري الدكتور محمد خير البقاعي.

ولد ديدييه بجنيف في 15 سبتمبر 1805، لأسرة فرنسية، كانت قد انتقلت إلى سويسرا طلباً للحرية الدينية. وفيها نشأ وترعرع، ودرس القانون وعلم النبات والرياضيات، ثم سافر إلى إيطاليا وصقلية عام 1827، حيث عمل مدرساً، قبل أن يصل باريس سنة 1830، للاستقرار والعمل. وفي باريس، استبد به عشق السفر والترحال، خصوصاً بعد أن كلفته الحكومة الفرنسية بالسفر في مهمة رسمية إلى بولندا سنة 1848. ويبدو أن عمله آنذاك في الصحافة، ومساهمته في إصدار أكثر من جريدة ومجلة، فتح شهيته أكثر للاطلاع على أحوال الدول الأخرى والكتابة عنها.

ومن هنا، تولدت عنده فكرة اكتشاف الجزيرة العربية بالسفر إليها عبر مصر، خصوصاً أن فرنسا كانت مهتمة وقتذاك بجمع المعلومات عن تلك البلاد، وسط منافسة حامية مع بريطانيا وروسيا، على تركة الدولة العثمانية الآخذة بالضعف والتفسخ. وهو لئن حقق حلمه في الوصول إلى مصر ثم الحجاز، فإنه لم يتمكن من إكمال خططه التي تضمنت مواصلة السفر من الحجاز إلى العراق والشام، وصولاً إلى إسطنبول، وذلك بسبب فقدانه البصر بعد إتمام رحلته الحجازية، علماً بأن إصابته بالعمى دفعته إلى الاكتئاب، فالانتحار في 7 مارس 1864، منهياً بذلك حياة حافلة بالإنتاج.

كان أول بلد عربي تطأه قدما ديدييه، هو المغرب في عام 1833، حيث وضع عنها عدداً من المؤلفات. أما رحلته إلى الحجاز، فلم تكن مخططة، وإنما جاءت بسبب ملله من فرنسا، وكل أوروبا، لأسباب عامة وخاصة، وبحثه عن الهدوء والأمان والنسيان، بحسب كلامه في مقدمة كتابه آنف الذكر. وهكذا سافر الرجل أولاً إلى القاهرة، التي مكث فيها أشهراً شتوية، وصفها بالجميلة. يقول صديقنا الدكتور محمد آل زلفة، في مقال نشره بصحيفة الجزيرة السعودية (21/‏‏‏‏7/‏‏‏‏ 2000)، إن ديدييه كان في عام 1854، على وشك ترك القاهرة للعودة إلى بلاده عبر أثينا، لكنه قابل أحد أصدقائه الإنجليز، فعرض الأخير عليه فكرة مرافقته إلى سيناء، فوافق. وفي سيناء، تولدت لديه الرغبة لمواصلة السفر من هناك إلى الجزيرة العربية، لزيارة شريف مكة، عبد المطلب بن غالب، الذي كان وقتذاك مقيماً بالطائف، وذلك لإبداء تأييده وتعاطفه معه في خلافاته مع مسؤولي الدولة العثمانية (خصوصاً والي الحجاز أحمد عزت باشا)، وأيضاً للكتابة من موقع الحدث، عن أوضاع يجهلها «الأوروبيون المخدوعون ...»، حسب كلامه.

واستعداداً لرحلته إلى الحجاز كاتب ديدييه الشريف، مستأذناً بالزيارة، فجاءه الرد سريعاً بالموافقة، مع تحمل الشريف كافة تكاليف سفره مع مرافقيه، وبأن الشريف سوف يوصي وكيله في جدة، كي يؤمّن له وسائل النقل إلى الطائف مع فريق حراسة. وهكذا وصل الرجل إلى جدة عبر ينبع، منتصف شهر يناير 1854، فحل ضيفاً على القنصل العام الفرنسي، وتعرف إلى القنصل العام البريطاني، كما التقى بوالي الحجاز التركي أحمد عزت باشا، الذي استقبله، وتباحث معه في بعض الأمور السياسية، حيث وصف ديدييه الأخير، بأنه «مثقف وشاعر وإنسان متحضر»، ومن جدة انتقل إلى الطائف، لمقابلة الشريف عبد المطلب، برفقة مترجم من القنصلية الفرنسية وآخرين. أحد الشخصيات الأخرى التي قابلها في جدة، وأعجب بها كثيراً، واستفاد من معلوماتها حول آل سعود، هو الأمير خالد آل سعود، نجل الأمير عبد الله بن سعود (آخر حكام الدولة السعودية الأولى)، والذي تمّ نقله صغيراً إلى مصر، بعد دخول إبراهيم باشا إلى الدرعية، فنشأ هناك، قبل أن ينتقل إلى الحجاز، ويعيش بها في عزلة.

لكن ماذا كتب ديدييه عن جدة والطائف في تلك الحقبة؟. الحقيقة هي أنه كتب الكثير عنهما بدقة وسرد مفصل، بل أولى عناية خاصة بتفاصيل حياة الناس أكثر من المكان والعمران. وعلى الرغم من أهمية رحلته وما دونه، فإنه، طبقاً للدكتور آل زلفة، «ظل منسياً من قبل أولئك الذين كتبوا سير الرحالة ممن زاروا الجزيرة العربية».

فؤجئ ديدييه بأحوال جدة، لأنها كانت عكس ما سمعه في القاهرة، إذ وجدها مدينة كبيرة تعج بالحياة، فأحبها، وكتب عنها قائلاً: «كم كانت دهشتي كبيرة، حين وجدتها عكس ما قيل لي في القاهرة، بأنها حي صغير، إذ كانت مُحكمة البناء، جيدة التأسيس، تعج بالسكان، نابضة بالحياة، ومزدحمة، وجديرة على المستويات كافة، أن تحمل اسمها كميناء لمكة المكرمة». ثم استطرد فقال: «مياه مينائها ضحلة، وأرصفتها الرملية محمية من جهة البحر بحصن، وبسرية مدفعية. والجهة الأخرى من المدينة، محاطة بسور سميك، مرتفع بما يكفي، وهو بحالة جيدة، ومحاط بحفرة عميقة، وعليه أبراج في حالة جيدة، وبه ثلاثة أبواب، هي باب اليمن من الجنوب، وباب المدينة المنورة في الشمال، وباب مكة في الشرق، وهو أجمل هذه الأبواب، حيث يقوم على حراسته برجان منخفضان منحوتان بمهارة فائقة».

وتحدث ديدييه عن سكان جدة، فأخبرنا أن عددهم يصل إلى 20 ألف نسمة، وأنهم يسكنون في حي جنوبي كبير، هو حي اليمن، وحي شمالي كبير، هو حي الشام، علاوة على وجود مجموعات متمايزة من السكان داخل أحياء صغيرة. ثم تحدث عن بيوتها، فقال إنها مؤلفة من عدة طوابق، واصفاً إياها بالبيوت الجميلة المبنية من الحجر بإتقان على شكل أقواس...

ومما لفت نظره، سوق المدينة الذي قال عنه إنه سوق يعج بحركة غير عادية في جميع الأوقات، ومكتظ بكل أنواع البضائع الطبيعية والمصنعة الآتية من الشام والعراق ومصر والهند وبلاد فارس... وقد أكد ديدييه أن التجارة هي العمل الوحيد لسكان جدة (آنذاك)، ما جعلهم أثرياء بصفة عامة، ثم راح يمتدح نشاطهم وخبرتهم وحيويتهم وأناقتهم ونظافتهم، واصفاً ملابس الرجال، بقوله إنها مصنوعة من الحرير المضلع، ذي الألوان الجذابة، وهي مشدودة على الخصر بحزام كشميري، ويلبسون فوقها عند الخروج ثوباً طويلاً مفتوحاً، من الصوف الناعم، يسمى الجبة، المصنوعة عادة في بغداد. أما رؤوسهم فيغطونها بطاقية بيضاء مزركشة، يلتف حولها عمامة من الموسلين. والعامة لا يلبسون إلا ثوباً طويلاً من الكتان الخشن.

ولم ينس الرجل أن يتطرق إلى ما تميزت به جدة في تلك الحقبة المبكرة من تسامح وأمن. فقال أن المسيحيين لم يكونوا قادرين في الماضي على التحرك بحرية، لكن الأمور تغيرت الآن، وأصبحوا يتمتعون بكامل حريتهم في جدة، وبشكل يوازي حرياتهم في مصر وإسطنبول. وعن الأمن ضرب مثلاً بنفسه فكتب: «لقد تجولت في أنحاء المدينة كلها، في كل الأوقات، في الليل والنهار، وحدي في غالب الأحيان، ولم يتعرض لي أحد قط، ووجدت من الناس كلهم لطفاً وإكراماً. ولم يزعجني إلا المتسولون الذين ينتشرون في كل أحياء المدينة... قدموا من أوطانهم للحج، وتقطعت بهم سبل العودة لنقص في المال، ولما لم يكن لهم أي موارد، فإنهم ظلوا هنا عالة على الناس...».

ويبدو أن الرجل كان موفقاً خلال إقامته وتجواله في جدة، بدليل استحسانه لكل ما رآه، وعليه، انحصرت ملاحظاته السلبية عن المدينة في طقسها الحار الرطب، وقلة مياهها العذبة، والأمراض المستوطنة فيها.

أما عن زيارته إلى الطائف، فقد بدأها باستراحة في بستان الحسينية التابع للشريف، على مشارف مكة، قبل أن يواصل سيره باتجاه مكان إقامة الشريف، عبر محطات قال عنها إنها رائعة، وكانت مفاجئة له، خصوصاً لجهة سكانها من البدو الذين شاهدهم ديدييه لأول مرة وسط بيئتهم، فقال إنه حمل لهم من تلك اللحظة احتراماً واستلطافاً، بسبب كرمهم ولطفهم ومغالاتهم في الاحتفاء بالغريب.

ذكر ديدييه في كتابه، أنه وصل الطائف ليلاً وهي غارقة في الظلام، وسكن في دار أعدت له خصيصاً، وتناول عشاءه الأول الذي وصفه وصفاً دقيقاً، ينم عن اهتمامه بالتفاصيل، ويصلح دليلاً على رقي وتنوع المائدة الحجازية...

وحول لقائه بالشريف في اليوم التالي بقصره، رصد الرجل مظاهر البذخ الأوروبية، التي كانت تحيط بالشريف، والتي أرجعها ديدييه إلى السنوات الطويلة التي عاشها الشريف في إسطنبول، قبل تعيينه بديلاً لسلفه الشريف عون الرفيق. ثم كتب عن مضيفه، بعد أن اجتمع به وحاوره، فأخبرنا أنه كان ملماً إلماماً كاملاً بالشؤون الدولية، ومجريات الأحداث في أوروبا، خصوصاً الحرب الروسية العثمانية.

وحينما انتقل للكتابة عما رآه في الطائف، بعد تجواله فيها، امتدح نظافة شوارعها، ولطف سكانها، وجمال أسواقها، وبرودة طقسها، وشهرة بساتينها المنتشرة كواحات خضراء وسط صحراء قاحلة، ليصل إلى خلاصة مفادها أنه، بعد مخالطته لعرب الجزيرة، وجدهم «أكثر ظرفاً وذكاء من الأتراك».

طباعة Email