الكابلي.. فارس من زمان مختلف

ت + ت - الحجم الطبيعي

لم استمع إلى أغانيه في بداية اهتمامي بالكتابة والمعرفة، وشؤون أخرى على رأسها الأدب والفنون بشكل عام، لكن بمرور الوقت، استمعت إلى أغنية عن طريق الصدفة، فلفتني صوت متميز، وكلمات رقيقة ودافئة، ولحن موسيقي يتدفق كما موج هادئ، بأداء محكم وبارع، ينقل للمستمع الإحساس بالكلمة قبل كل أي شيء، وهو الأهم الأصعب في المغني عامة. كانت تلك إحدى أغانيه العديدة، التي علمت لاحقاً أنه كان يلحنها بنفسه. 

تلك الأغنية التي استمعت إليها، وراقتني، قبل حين طويل من الآن، لم أعلم أني كنت استمع لأشهر أغنية بين الأغاني السودانية على اختلاف تمايزها، صيتاً ورواجاً ليس فقط في كامل التراب السودان، بل خارجه الأفريقي، وعمقه العربي من شرقه إلى غربه، وكان اسمها «قمر بوبا عليك تقيل»، من كلمات الشاعر السوداني اسماعيل حسن. وعلمت أيضاً أنها واحدة من أجمل ما غنى وما لحن الفنان الكبير عبدالكريم عبدالعزيز الكابلي،رحمه الله، الذي رحل عنا منذ أيام قليلة.

الراحل كان يرمز إلى مرحلة تاريخية فارقة على أكثر من مستوى بالنسبة للشعب السوداني، تعدى فيها الفن والمغنى، ليصل إلى اهتماماته وانشطته المجتمعية، التي برز فيها عبر الفن والثقافية والفكر النير، ليشكل بذلك مع آخرين كثر بصمة خاصة لدى ناسه بمجمل فئاتهم. ترك مكتبة زاخرة بالفنون، لا على مستوى الأغنية والموسيقى فقط، إنما بالمطبوعات البحثية التي عنت بالتراث الشعبي السوداني والأفريقي.

وهو تراث غني وعميق يصعب أن يحيط به شخص بمفرده، لكن الكابلي،رحمه الله، فعلها ونجح، فقد كان مؤسسة تسير على قدمين، وهو الفتى الذي عرفته مناطق السودان كلها: من سواكن ووكر والولايات والضارب وابوقوته وكسلا. 

لم يكن الكابلي شخصاً عادياً، كان مبدعاً، ومثقفاً شمولياً، ومحاضراً آسراً، عرفته المنابر السودانية والعربية والأوروبية، والأمريكية تحديداً منذ عام 1974، وهو العام الذي قرر فيه ولظروف شخصية خاصة أن يقيم فيها إلى يوم نعاه الناعي؛ فعبد الكريم الكابلي، إلى جانب التلحين الموسيقي والغناء، كان شاعراً، ومثقفاً منفتحاً على الثقافات العالمية.

ولعل هذا ما يجعله دائماً يردد في لقاءاته خاصة المتلفزة أنه ينتمي إلى نهج التعددية المجتمعية، التي كان يدعو إليها، معتبراً إن التعددية هي النهج الأنسب والأسلم لأي مجتمع بشري ينشد التطور، ويبتغي له مكانة بين المجتمعات المتقدمة في العالم. الكابلي كان مختلفاً جميلاً.

وفي هذا السياق، يلاحظ المرء جانباً من الفرق بين الكابلي وغيره من مجايليه من الفنانين السودانيين، عبر معالجة الكلمات تحديداً - إن حذفاً أو إضافة - ونظرته إلى ما يمكن أن تخلفه الكلمة المغناة من تأثيرات على السلوك المجتمعي، وقد راعني في هذا الصدد ما يصلح أن يكون دالة جيدة؛ ففي الأغنية التي أشرت إليها في المستهل، واسمها «قمر بوبا عليك تقيل»، ثمة مقطع تقول كلماته باللهجة السودانية: «الصيغرونة الما كبير/ ما تشيل جردل على البير»، أي أن محبوبته صغيرة السن لا تجلب الماء من البئر.

هكذا غناها الفنان الكبير محمد وردي. المقطع نفسه غناه الكابلي بشكل مختلف: «جيت ماري العصير/ لقيتها تملا فوق البير»، أي أنا جئت ماراً وقت العصر، فأبصرتها تملأ الماء من البئر. الشاهد هنا، أن المحبوبة نفسها أرادها وردي أن تكون مرفهة، مثالية، بينما المحبوبة نفسها لدى الكابلي كانت أكثر واقعية، شأنها في ذلك شأن البنات اللواتي يخدمن عوائلهن، أقله في المجتمع السوداني الذي لا تزال فيه الأسرة متماسكة ومتعاضدة.

ولمناسبة الحديث عن الفن وأهله، شخصياً كنت أميل إلى الكابلي في ما يغنيه وينظّر له، في الفن وغيره، وتطربني أغاني محمد الأمين - رحمه الله - وخاصة أغنيته الشهيرة، التي تقول كلماتها: «مصيرك بكره تتعلّم، وتعرف كيف يكون الرّيد، وليه الناس بتتألم».

ولعل الأغنية السودانية بألحانها المتنوعة التي يزيد من تدفقها وعمقها السلم الخماسي الموسيقي، شكل أحد العوامل التي دفعتني - في مرحلة ما في حياتي - إلى الاهتمام بسجالات الساحة الثقافية والفنية السودانية، فعرفت العديد من أدبائها وأدبهم، وفنانيها وفنونهم، على تعددها وتنوعها، واختلاف طبيعتها وفقاً للجهة والمنبت.

وكنت أحرص على اقتناء ما استطيع الوصول إليه من المطبوعات الحديثة في مختلف المجالات الأدبية والفنية والفكرية؛ فأنت حينما تكون في السودان، تكون وسط مجرّة، فيها من التنوع الإثني والعرقي، واللهجات واللغات، والعادات والتقاليد، والفنون الفلكلورية الشعبية، والقبائل العربية والأفريقية، ما لا يستطيع المرء تخيله أو الإحالة به، فضلاً على إحصائها والتعرف على أنماط حياتها.

رحم الله عبد الكريم عبد العزيز الكابلي رحمة واسعة، وغفر له، وأحسن إليه، وصادق مواساتنا للسودان، رمز المحبة والوفاء، والقلوب الطيبة، والنفوس الخيرة.

طباعة Email