«ثبات» الشركات العائلية

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعد الشركات العائلية والفردية أقدم صيغة للمنشأة التجارية في العالم. وهي اللبنة الأولى في دعم المجتمعات وتوسيع خيارات الناس من السلع والخدمات منذ فجر التاريخ.

وقد تدرجت عملياتها وتضخمت، مع كبر حجم البلدان واقتصادياتها، فصارت الناجحة منها تسهم في دعم الاقتصاد، ودفع الضرائب لخزينة الدولة، وتخلق فرص عمل عديدة. وما نراه من شركات سيارات كانت في الأصل شركات عائلية مثل فورد، وتويوتا، ومرسيدس، وميتسوبيشي ، وكذلك الحال مع سامسونج، وول مارت، وماريوت وغيرها.

مشكلة الشركات العائلية ليست في توسيع نطاق عملها أو رؤيتها، بل المعضلة التي تواجه الجيل الثالث حول العالم (الأحفاد) أنهم عرضة لتضييع ثمار ما صنعه الرواد الأوائل. وهذا مشاهد في كثير من بلدان العالم وأصبح حقيقة ماثلة. من هنا جاءت فكرة خطط التعاقب Succession، وقواعد الشفافية، والحوكمة الرشيدة، والعمل المؤسسي الذي يبنى على قرار جماعي لا يستأثر فيه فرد باتخاذ القرارات ولا بالتوقيع على الشيكات منفرداً، وإن فعل فهناك آلية تضمن أن ما يدفعه أو يقرره يقع في حدود صلاحياته.

ففكرة الحوكمة تكمن في محاولتها التأكد من أن القرارات والممارسات التجارية والإدارية تتماشى مع النظم واللوائح والقوانين حتى لا تضيع المؤسسة. وكم من شركة عائلية هزيلة من ناحية الرقابة أُهدِرَت ملايينها لأنها ولت شاباً من أبنائها لم يشتد عوده في ميادين التجارة والعمل المؤسسي «فطفش» خيرة كفاءاتها بسبب صداماته المتكررة والتافهة مع قامات مهمة في العمل، أو بدد ثروتها في قرارات غير مدروسة، أو خلط الشخصانية والمزاجية في أمور التجارة.

ولذلك تسعى الشركات العائلية إلى تطوير لوائحها الداخلية وتشديد الرقابة ومحاولة تبني أفضل التطبيقات والممارسات فيها. وتتجه شركات عائلية أخرى نحو طريق أقصر وهو إدراج جزء من أسهمها في سوق الأوراق المالية. وهذا أقصر جسر لفرض الشفافية والرقابة والتأكد من أن آلية العمل والمناصب الرئيسية فيها يشغلها أكفاء لسبب بسيط وهو أن الشركة ستكون متاحة لعامة الناس للاستثمار في أسهمها فمن حقهم أن تقوم جهة رقابية بالتدقيق في عمليات كل الشركات المدرجة حفاظاً على مصالح المساهمين بجميع أحجامهم.

وهذا القرار عادة ما يرفع الحرج عن المؤسسين الكبار للشركة، ويكفيهم عناء مواجهة أشقائهم أو أعمامهم بإلقاء «اللوم» على الجهات الرقابية. وهو في الواقع ليس «لوما» ولكن رفعاً للعتب من التوجهات الجديدة التي ربما تقلص صلاحيات مؤسسي الشركات أنفسهم بداعي حماية الشركة وتوسيع قاعدة اتخاذ القرار أو الرقابة.

وربما يسأل سائل لماذا، نفترض أن هناك مشكلة في الجيل الثالث الذي سوف يضيع الشركة؟ فنقول إن الجيل الثاني عادة هم الأبناء والذين أخذوا الصلاحيات تدريجياً في ظل وجود رقابة الآباء المؤسسين، لكن ما أن يكبر المؤسسون وينشغل الأبناء سيجد الأحفاد أنفسهم أمام ثروة هائلة يظنون واهمين أنه بمجرد حملهم لاسم عائلة تجارية كفيل برفع راية الاستمرارية. ثم يفاجأ بعضهم بأن العمل التجاري كلما توسعت عملياته صارت تحدياته أكبر بكثير من أن يديرها بضعة أشخاص في ريعان شبابهم.

وللمنشآت العائلية دور مهم للدولة ككل. ففي البرتغال مثلاً، تبين أن الشركات العائلية تسهم بنحو 60 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، ويعود لها الفضل بتعيين نصف مقاعد الموظفين، بحسب منظمة الشركات العائلية FFA، وفق بحث نشر عام 2012 في دورية IJE بعنوان «خطة التعاقب وإستراتيجيات الشركات العائلية». والبلدان الأخرى ليست بعيدة عن تلك الأرقام.

ونظراً لدور الشركات العائلية المهم، فمن الضروري دعمها، ليس داخلياً فحسب بل حتى عن طريق الحكومات، لتذليل أي عقبات تعترضها وهي في طريقها نحو تعظيم ثرواتها. وحسناً فعل سمو الشيخ مكتوم بن محمد بن راشد آل مكتوم، نائب حاكم دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير المالية، بتوجيهات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في إطلاق «ثبات» وهو «برنامج طموح.. لبناء الشركات العائلية.. طورته وزارة الاقتصاد بهدف إحداث نقلة نوعية جديدة في بيئة أعمال الشركات العائلية بدولة الإمارات». وفق البيان. إذ يعتزم تحويل 200 شركة عائلية، إلى كيانات اقتصادية عملاقة بحلول عام 2030، إذ تشير التقديرات إلى أن قيمتها السوقية ستفوق مبلغ 150 مليار درهم إماراتي، فضلاً عن جنيها لإيرادات سنوية تتجاوز 18 مليار درهم. وسبق ذلك قانون مهم «لحوكمة الشركات العائلية في إمارة أبوظبي» صدر عام 2022.

وهي كلها محاولات جوهرية لدعم هذه المنشآت التجارية التي تشكل نواة لأي اقتصاد وطني حتى «تثبت» الشركات على طريق النجاح والاستدامة.

 

طباعة Email