ماذا فعلت بزاهدٍ متعبّدِ؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

تاجر من العراق قصدَ المدينة المنورة - وقالوا مكة المكرمة - لبيع بضاعته التي كان جُلّها من الخُمُر الملونة (جمع خِمار)، وقد بيعت كلها ماعدا الخُمُر ذات اللون الأسود، إذ بدا أنها لم تكن مرغوبة لدى النساء في ذلك الوقت من العهد الأمويّ (عام 90 للهجرة). فخشي التاجر أن تكسد تلك الخُمُر السود، وتبقى مكدسة لديه مدداً أطول، فيضطر للعودة بها إلى بلاده متحسّراً، خاسراً ماله وجهده، فعظم عليه الأمر وثقل. في السوق، نصحه أحد العارفين، بأن يلجأ إلى شاعر عُرف بحسن الطلعة ورقة القلب والكرم، يدعى مسكين الدارمي (هو ربيعة بن عامر التميمي). وكان الدارمي قد ترك قرض الشعر، وتزهّد في الحياة وتنسّك، لكن التاجر العراقي ألحّ عليه، ورجاه بأن يحاول تفريج كربته ويجد له سبيلاً.

وبعد تردد، قرر الدارمي نفحه أبياتاً شعرية علّها تعينه على تصريف بضاعته. فأنشد قائلاً: (قل للمليحة في الخِمار الأسود - ماذا فعلت بزاهدٍ متعبّدِ/ كان قد شمّر للصلاة إزارهُ - حتى قعدتِ له بباب المسجدِ/ ردّي عليه صلاته وصيامه - لا تقتليه بحق دين محمّدِ). فشاع بين الناس الشعر، وأن الدارمي قد ترك الزهد، وعشق صاحبة الخِمار الأسود، لذلك دب بين الفتيات التنافس على شراء الخُمُر السود حتى نفدت. واعتبر صنّاع الإعلانات التجارية وتاريخها، أن هذه الأبيات للشاعر مسكين الدارمي، كانت بمثابة أول إعلان ترويجي لسلعة تجارية في التاريخ البشري، وحدد له عام (662 للميلاد).

إن الإعلان، سواء كان نظرياً أو بصرياً، الذي يحفر لنفسه مكانة في ذاكرة المتلقي أو المشاهد، هو الإعلان الذي تجتمع فيه معايير النجاح، من محتوى وشكل وطريقة عرض وجاذبية، إضافة إلى اختيار الوسيلة. لكن ليس كل إعلان بصري -  تلفزيوني وسينمائي - هو إعلان ناجح؛ إذ لم يعد خافياً أن هنالك كثيراً من الناس، من جمهور التلفاز والسينما، يتمتعون بمشاهدة الإعلانات التجارية على اختلافها، بصرف النظر عن البضاعة التي تروّج لها، مأخوذين بما يحتويه الإعلان من ابتكارية وإبداعية وإبهار. 

صحيح أن الإعلانات التجارية انتقلت اليوم إلى منصات عرض جديدة، هي وسائل التواصل الاجتماعي على تعددها، لكن جمهور مشاهدي الإعلان لا زالوا كما هم لم يتغيروا، يعتبرون الإعلان بالنسبة لهم مصدراً للمتعة والخيال والدهشة، وإن تطورت وسائل عرضه وأصبحت عصريّة، ووصلت إلى مستوى (البلاغة التقنية). ورغم كل ما استجد، لا زال التلفزيون والسينما يقومان بدورهما الإعلامي والإعلاني كما في السابق.

لكن يلاحظ بعض المهتمين في هذا المجال الحيوي - الإعلانات التجارية البصرية - أن ثمة مَللاً وعزوفاً، أو نسبة من عدم رضا، بدأت تتسرب إلى قطاع كبير ومهم من مدمني مشاهدة الإعلانات التجارية على الوسائل المختلفة، سببه أن الإعلان لم يعد كما كان في أيامه القديمة الجميلة، تلك التي كان يتسمّر فيها المشاهد أمام الشاشة الفضية أو السينمائية؛ إذ فقد اليوم الإعلان البصري نسبة كبيرة من المواصفات التي كانت تجعله جديراً بالمشاهدة والاستقطاب والإعجاب. صارت الإعلانات السمعبصرية في أيامنا هذه - على أهميتها في حياتنا المعاصرة - يتم تصنيعها بسرعة وعلى عجل، لتكون أشبه بالوجبات السريعة، فاقدة للمتعة وتلك الدهشة التي كانت توفر للمشاهد قدراً من البهجة والمسرّة. السؤال: لماذا لا يقضي صنّاع الإعلانات في الزمن الراهن وقتاً كافياً في التخطيط والتصميم لتجويد المحتوى والأداء؟ يبقى السؤال قيد التعليق، فإجابته لا يملكها غير أهل (الكار) وعلِمه.

مقطع القول: تبقى الإعلانات التجارية تمثل شريان أية وسيلة إعلامية في العالم، مهما كبرت واتسع نطاق انتشارها أو بثها، وشكلها، واختلاف محتواها، سواء كانت تلفزيونية أو سينمائية أو صحفية مكتوبة أو وسائل التواصل الاجتماعي. كما أن الإعلان التجاري ذاته، لا يمكن أن يحقق انتشاراً من دون اللجوء إلى وسيلة إعلامية فاعلة ومؤثرة تصل إلى قطاعات واسعة في المجتمع. إن العلاقة علاقة عضوية بين الوسيلة والإعلان التجاري.

طباعة Email