في الوقاية ضد طاعون «الإخوان»

ت + ت - الحجم الطبيعي

تتواتر الأحداث في تونس، وتتسارع في الكشف عن طبيعة الجهاز السري لحركة النهضة الإخوانية، وذلك بعد فتح ملف تسفير الشباب التونسي إلى بؤر التوتر، وتحديداً العراق وسوريا، وهو ملف يعد وصمة عار في جبين التونسي، لأنه حول بلاده من مصدر للأنوار والمعارف، إلى أكبر مصدر للإرهابيين، وهذا الملف، كغيره من الملفات الخطيرة العالقة بالحركة الإخوانية، كان الكشف عنه وتناوله، يعد من «المحرمات»، بسبب التحكم التام للحركة الإخوانية في مسارات القضاء والتحقيقات الأمنية، بفضل نجاحها في اختراق مفاصل الإدارة والدولة، وكان لا بد من حراك سياسي، يحرر السلطة من قبضة «الإخوان»، خصوصاً بعد أن أصبح التحرر من جماعات الإسلام السياسي، مطلباً شعبياً، فكان ذلك يوم 25 يوليو (جويلية) 2021، تحررت السلطة، فتحرر معها القضاء والأجهزة الأمنية، وانطلقت عملية تفكيك أخطبوط الجهاز السري الإخواني.

وبدأت تباعاً تظهر الحقائق المفجعة والخطيرة، لتؤكد بديهيات ثلاث، أولها اتساع رقعة المتورطين من قيادات وأتباع حركة النهضة الإخوانية، في أعمال تهدف إلى تقويض استقرار الدولة والمجتمع، وهو الأمر الذي أثبتته مآلات التحقيق في قضايا الأذرع المختلفة للجهاز السري، خصوصاً في ملفي محاولة تبديل هيئة الدولة، التي تعرف بقضية «انستالينغو»، وكذلك ملف تسفير الشباب التونسي لبؤر التوتر، وهو ملف مرشح للتطور، إذ، وبعد عديد الإيقافات في صفوف حركة النهضة، والذين تعاونوا معها، تولت الوحدة المركزية لمكافحة الإرهاب، التابعة للحرس الوطني، توجيه الدعوة إلى كل من رئيس الحركة، راشد الغنوشي، ونائبه علي العريض، للمثول أمامها اليوم الاثنين 19 سبتمبر 2022.

ثاني هذه الحقائق، هي انكشاف مدى التغلغل الذي قام به الإخوان في الإدارة والدولة، طوال عشرية حُكمهم، حيث بينت التحقيقات، تورط كوادر عليا في الدولة والأجهزة الأمنية الحساسة، بشكل لا نكاد نعرف معه مثالاً آخر في تجارب المجتمعات والدول الأخرى، كوادر أمنية عليا، تقوم بأفعال معادية للأمن القومي، وتعمل خارج مهامها ووظيفتها، ولفائدة أطراف حزبية، وما خفي قد يكون أعظم وأفظع، ويعتبر الملاحظون أن ما كشفت عنه التحقيقات، إلى حد الآن، هو «فضيحة دولة، بأتم معنى الكلمة»، وهو ما حتّم ويحتم في تقديرهم «ضرورة مزيد إماطة اللثام عن كل الحقائق، وتحميل المسؤولية لمن أثبتت التحقيقات تورطه، كائناً مَنْ كان».

ثالث هذه الحقائق المدوية، التي ما انفكت تُكشف مع تقدم التحقيقات، هي من جهة، الترابط والتلاحم بين كل الجرائم التي حيكت ضد الدولة والمجتمع في تونس، وانسجام كل ذلك مع الأهداف العامة للحركة الإخوانية، محلياً وإقليمياً ودولياً، ومن جهة أخرى، بداية توفر العناصر والإثباتات والدلائل على أن «العقل» الإجرامي للإخوان، يعمل بتوجيه وتخطيط وتمويل من «العقل السياسي» المتحكم في كل المسارات، وفق ما تفرضه مقتضيات العمل الحزبي العقائدي، الذي لا مكان فيه للتسيب والاجتهاد.

ويبدو أن حلقات سلسلة حشر «الإخوان» في الزاوية، بدأت بالاكتمال، ولم يعد باستطاعة أي كان انتشالهم من مصيرهم المحتوم.

البدء كان بانحسار القاعدة المجتمعية للحركة الإخوانية، وهو ما بينته مختلف المحطات الانتخابية، التي قلصت عدد الناخبين من 1.5 مليون ناخب في 2011، إلى قرابة 400 ألف ناخب في آخر انتخابات تشريعية، وبعد مؤشر البداية على نهاية «الإخوان»، كان العمل الجبار الذي قامت به هيئة الدفاع عن الشهيدين شكري بلعيد والحاج البراهمي، والذي كان شعاره الأساسي، ضرورة الكشف عن حقيقة الاغتيالات السياسية، ثم كان العمل السياسي المهم الذي أمنه الحزب الدستوري الحر، بزعامة عبير موسي، والذي حركه الوعي بضرورة تهرئة أعلى هرم التنظيم الإخواني في تونس، من خلال الحرب ضد راشد الغنوشي رأساً، وفي العالم، بفضل المناهضة الشرسة لوجود مقر ما يسمى بـ «علماء المسلمين»، الذي يرأسه الإخواني يوسف القرضاوي في تونس، وأما المحطة التي حسمت نهائياً الوجود الإخواني في السلطة، فهي الحراك الشعبي المناهض للإخوان، والذي بلغ مداه يوم 25 يوليو 2021، بحرق عدد من مقراتها، ويحسب للرئيس التونسي قيس سعيد، أنه حول الغضب المجتمعي العفوي، إلى عمل سياسي شجاع، وقام بحل برلمان الإخوان، في ذات اليوم من يوليو 2021، بما فتح المجال لما نعيشه اليوم.

وأما آخر الحلقات التي تؤشر على نهاية «الإخوان»، فهي أنه بدأ العمل الجدي للقضاء على نفوذ «الإخوان» في القطاعات النوعية، ومنها قطاع المحاماة، الذي كان مشهداً لأول الهزائم الانتخابية في منظمات المجتمع المدني، والتي كانت الأساس في سياسات الحركات الإخوانية، من أجل التمكن من الدول والمجتمعات والتحكم فيها، وبالتالي، كان لا بد من الوقاية ضد طاعون الإخوان، بتأمين قلاع المجتمع المدني وتحصينها.

فالأفضل أن تتهيأ المجتمعات للمخاطر، بدلاً من إطلاق العنان للحلم والأوهام، والانشغال عن الكوارث بالتشبث بمُثلٍ مغشوشة، فتتفاجأ لاحقاً بما يحدث لها من مآسٍ، وقديماً قيل «الوقاية خير من العلاج»، والوقاية مظهرها الأساسي، تأمين شروط الكرامة للفرد، وضمانتها التي لا مفر منها، توفير مناخات الحرية والإبداع.

طباعة Email