ما سر هدوئك؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

سألتني صديقة ذات مرة عن سر هدوئي. أعجبني السؤال، وطلبت منها أن توضح ما تعنيه أكثر، فقالت أعني أنك لا تغضبين سريعاً. تدخّلت أخرى، وقالت: أتمنى أن أراك يوماً وأنت غاضبة. فابتسمت، وانطلقت في تمتمات مع نفسي، أقلب بها ما سمعته.

قلت في نفسي: يبدو أنهن لم يكنّ معنا عندما اشتعل غضبي قبل عام من الآن، وإلا لتغير رأيهن، عندما حدثت معي مشكلة في العمل، تعاملت معها بغضب جم، ولكن الحمد لله، بتّ أكثر تماسكاً وتحكماً بمشاعري وعواطفي.

أتذكر هذه الحادثة، وأبتسم دوماً عند ذكرها، وأحببت أن أنقلها لكم في مقالتي هذه:

الكل يعلم أنه عندما يكون الفرد في نطاق العمل، يكون تحت تأثير الكثير من الضغوطات التي تثير الغضب، وعندما تصادف أشياءً وأشخاصاً ومواقف تفقدك أعصابك وتحكمك بها، ولكن أنا استطعت أن أصل لاستقرار يجعلني، رغم كل ذلك، لا أغضب، ولا أفقد السيطرة على نفسي وأعصابي. 

تعلمت كيف أتحدث تحت الضغط والمشاكل، وكيف أتصرف وأتخذ القرارات الصحيحة بحكمة وروية. في بداية الأمر، لم أتنبه لذلك، ولكن مع مرور الوقت، بتّ ألحظ نتائجه عليّ.

نعم، استطعت، وكنت أتصرف على صواب طيلة الوقت، وإن كنت في بعض الأوقات لا أعلم أنني بتلك البراعة أصبحت. ربما لأني لم أكن بتلك الطباع في السابق.

أيقنت حقاً أن الطبع بالتطبع، وتذكرت طفولتي، فذات مرة وأنا في المرحلة الابتدائية، ذهبت مع والدتي لأحد المحال التجارية للتسوق، وهناك رأيت التاجر غاضباً، يصرخ في وجه أحد الزبائن، الذي كان يريد أن يعيد له البضاعة، لأنها لم تعجبه، والتاجر كان يرفض ذلك. تقدمت خطوة بجسدي الصغير ومغمضة العينين، مرتبكة الخطوات، وبكلمات ترتجف قبل خروجها، واستجمعت قواي وقلت للتاجر: يا عم، ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب.

عم الصمت في المحل، حتى قطعه أحدهم ساخراً من التاجر، قائلاً: حتى الطفلة تفهم أحسن منك، أظنه كان موقفاً حرجاً بالنسبة له. وكنت قد حفظت ذلك الحديث الشريف من معلمتي قبل يومين.

منذ تلك الحادثة، والتاجر لا ينساني، وكلما زرت محله، يذكّرني بتلك العبارة، وكأنه يعيدها عليّ لأحفظها للزمن وأطبقها، أتذكرها دوماً، وقررت أن أتخذها منهجاً في حياتي.

لطالما كان يجذبني الأشخاص الهادئون، لا أعني الضعاف، بل الذين يعلمون متى يجب أن يتكلموا؟ ومتى يجب عليهم الصمت والسكون؟ أولئك الأشخاص الذين إذا نطقوا، سمع لهم الكل، وإذا صمتوا، خشي من صمتهم الجميع.

ويمكن تصنيف الأشخاص مثيري الغضب، الذين نواجههم في حياتنا اليومية، ضمن 3 فئات: إما جاهل يحتاج منا أن نعلمه بدلاً من الغضب، وإما مخطئ يحتاج أن نرشده للصواب، وإما لئيم، يحتاج منا ألا نعيره اهتماماً ولا جواباً، وإلا حقق مناه.

إدراكنا وفهمنا لهذا التقسيم، يساعدنا في تقليل حدة ردود أفعالنا تجاه التصرفات التي يسعى أهلها لاستفزاز غضبنا، وبذلك نكون أكثر هدوءاً وأكثر استقراراً.

وأتذكر أولئك الأشخاص، عندما أتعرض لموقف، أستحضرهم، ويهدأ غضبي تدريجياً مع الوقت، لكل شخص متحكم في نفسه، لديه سر، وأنت ماذا عنك؟ ابحث عنه، إن لم يكن لديك.

طباعة Email