ليالي الصيف في أوروبا

ت + ت - الحجم الطبيعي

بدأت طلائع المسافرين الخليجيين بالعودة إلى الوطن من إجازاتهم الصيفية، وقد أمضوا جلها في بلدان أوروبية، تحديداً فرنسا وسويسرا وألمانيا والنمسا وإيطاليا، ومنهم من مر على تركيا، واختلفت أحاديثهم هذه المرة عن المصايف، التي يمموها صوبها، وتنوعت موضوعاتها، لكنها في العموم تركزت حول الطقس وتقلباته في تلك القارة العجوز. الوصف الذي أطلقه عليها السياسيون قبل علماء الاجتماع، بسبب ارتفاع نسبة كبار السن فيها مع قلة الإنجاب، الذي قد يكون متعمداً، بغية الحد من النسل. ثمة بلدان غير أوروبية لجأت هي الأخرى إلى هذا النظام- غير الطبيعي- منها بلدان آسيوية، بيد أن النتيجة الصادمة لهكذا الإجراء المقحم ألجأ العديد منها إلى العودة عنه، والرجوع إلى الطبيعة الأولى، حيث قوانين الفطرة الإنسانية.

يتحدث أهلنا الخليجيون عن المصايف، التي توجهوا إليها بنوع من الاستغراب اللافت، يشوبه قليل من الأسى؛ إذ كيف لتلك الأماكن الغناء، البارد هواؤها، والعليلة نسماتها، تصبح عرضة لموجة حر شديدة، وصفوها بـ"التاريخية"، بدلت وجهها، وغيرت حالها، وجعلتها تشبه إلى حد كبير حال صيوفنا الخليجية المتميزة بشدة القيظ في أشهر معدودات، لحكمة تحتاج إليها أشجار النخل لإنضاج رطبها وتمرها.. كيف؟ يا لها من مقدمات لا تسر. ليت ما حدث لا يكون نذيراً لقادم أسوأ. 

معذورون المصطافون في أحاديثهم، التي حملت دعاء خفياً ألا تتردى الأحوال أكثر في بلدان كانوا قد تعودوا على زيارتها لعقود، وخبروا مناخها المعتدل، وهواءها المنعش ليل نهار، وعرفوا كل مرابعها وعرفتهم، لكن الوضع اختلف، فيقول بعض آخر: في النهار ترتفع الحرارة وتصبح شديدة، فيجهد الشخص في تنقلاته حتى لمسافات قصيرة، معقولة، وفي تجواله الاعتيادي في محيط المدينة، بل إن حرارة النهار ألجأت بعضنا إلى استعمال المكيفات، ما أشعرنا كما لو كنا لم نغادر مدننا الخليجية العامرة أصلاً، لكن في الليل تهبط حرارة الطقس، ويتبدل الوضع إلى الأفضل، فتتجلى لنا بعض ملامحها القديمة، فتبتهج لها قلوبنا ونحمد الله، بل في بعض الأحيان يكون الليل ممتعاً بسبب هبوط الحرارة إلى معدلها الصيفي المعقول. في العموم أوروبا في هذه الصيفية لم تكن هي أوروبا التي نعرفها وتعرفنا، لقد تغيرت.

يقول بعض الأصدقاء القادمين للتو: تشعر وأنت ترى وتسمع ما حولك أن التغيير الذي حدث في أوروبا حدث على نحو مفاجئ، من دون مقدمات؛ فالحرارة اشتدت، فخفضت منسوب مياه تلك الأنهار الكبيرة، التي كنت ترى الفُلك السياحي فيها مواخر للتمتع بما في الضفتين وما عليها، من خضرة نضرة تجلو قذى العيون، فيصبح البصر أنقى وأقوى، وتبدو لك الأشياء عندها أوضح، وأكثر جاذبية وسحراً. حدث ذلك في بعض الأماكن فيها، بل وصلت تلك الأنهار إلى حال هي أقرب فيه إلى الجفاف منها إلى التفاؤل بعودتها إلى طبيعتها. عجيب أمر أوروبا هذه السنة. 

ومن المفارقات الغريبة التي يصعب تفسيرها علمياً، يقول بعضٌ من العائدين، أنه كانت هنالك، قبل أشهر من وصولنا، غزارة في الأمطار التي هطلت، وتسببت بفيضانات غير مسبوقة في بعض الأماكن، نجم عنها دمار العديد من المنازل، وتضررت البنية التحتية، الشوارع والجسور، هنا تساءلنا: كيف يجتمع جفاف الأنهار بفعل شدة الحرارة، وفيضان أخرى بفعل شدة الأمطار، وكل هذا في وقت واحد؟ فضلاً على الحرائق التي أتت نيرانها على مئات الهكتارات من المساحات الخضراء، التي كانت بمثابة الرئة الكبيرة والنظيفة لتنفس ما يزيد على 300 مليون نسمة، هم سكان القارة الأوروبية الساحرة. كم كانت تتمايز بخضرتها أوروبا وأنهارها وليالي أُنسها وسرعة خدماتها للسياح، عن دول أخرى كثيرة، كانت لا تضاهيها على خريطة السياحة العالمية. لقد كانت مضرب مثل. (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاَ العالمون). 

مقطع القول: إن السياحة في الوطن لا تشكو من شيء، وما هو موجود اليوم في المدينة الخليجية (النموذجية) عجزت عن امتلاكه العديد من مدن أوروبا، إذا لم يكن كلها، بدليل أن هذه الصيفية في ربوع أوروبا، جعلت بعضنا المصطاف، بل أكثرنا، يعيد النظر في نفسه وفي كل شيء من حوله، فبعد عقد من السنين أو عقدين، سوف يُشاهد الذي كان هناك قادماً إلى هنا. إننا على موعد بإذن الله مع صيوف خليجية أكثر خضرة ورقة وبهجة وأماناً من غيرها من البقاع.

طباعة Email