شخصيات تحت المجهر

وجيه المدني.. فلسطيني خدم في الجيشين السعودي والكويتي

ت + ت - الحجم الطبيعي

من الشخصيات التي طواها النسيان، ولم يكتب عنها الكثير، على الرغم من ورود اسمها في في تاريخ الجيشين السعودي والكويتي، اللواء الركن وجيه المدني، الذي شغل في ستينيات القرن العشرين، منصب قائد جيش التحرير الفلسطيني، وذلك من بعد مسيرة طويلة تنقل خلالها بين عدة أقطار وجيوش، ومارس أثناءها وظائف عديدة، وكان شاهداً على أحداث ومنعطفات تاريخية.

بحثتُ كثيراً عما يرشدني إلى سيرته المكتنزة بالأحداث والتقلبات، وإلى الجوانب التي أثرت في شخصيته، إلى أن اهتديت إلى الكتاب اليتيم الذي يتحدث بالتفصيل عنه، وهو كتاب ألفته ونشرته ابنته خديجة المدني عام 2013، تحت عنوان «هذا أبي وجيه المدني»، وأشارت فيه إلى أن اللقب الأصلي لعائلتها هو «العسكري»، لكن أسرتها ألحقت باسمها لقب المدني، نسبة إلى المدينة المنورة، لأن جدها ولد وعاش طويلاً هناك، قبل أن يهاجر إلى بيروت، زمن الدولة العثمانية، لتسلم قيادة دائرة المعارف، ومن ثمّ إلى مدينة عكا، ليتسلم فيها إدارة جماركها.

ولد «وجيه حسين طلعت مصطفى العسكري المدني»، بمدينة عكا عام 1921م، أثناء عمل أبيه هناك. وفي سن الثالثة، فقد والدته، وبعده بنحو ثلاثة أعوام، فقد والده، فنشأ يتيماً في كنف شقيقه الأكبر مصطفى، الذي كان يقيم ويعمل بمدينة يافا.

وفي عام 1932، انتقل شقيقه إلى جوار ربه، فانتقل للعيش مع ابن أخيه عادل، الذي كان يكبره بـ 23 عاماً، ويعمل في جمارك مدينة يافا. ومما لا شك فيه، أن يتمه المبكر والفواجع التي تعرض لها في مقتبل عمره، انعكست على شخصيته، لجهة الصرامة والحزم من ناحية، ورقة المشاعر من ناحية أخرى.

تلقى الرجل تعليمه أولاً في عكا، وأكمله في يافا، إلى أن حصل على شهادة «المترك» المعادلة للثانوية العامة. وعلى إثر ذلك، وبسبب عشقه للحياة العسكرية، ورغبته في الاعتماد على نفسه، التحق بالكلية العسكرية البريطانية بيافا، زمن الانتداب البريطاني لفلسطين، فاستفاد من دراسته بها استفادة جمة، وتعلم فيها الجدية والانضباط في العمل، وتقديس الوقت، وغيرها من الصفات التي تميز بها معلموه الإنجليز، إلى أن تخرج ضابطاً برتبة ملازم أول.

بعد تخرجه، خدم في الجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الثانية، كما عمل مدرباً لدورة الضباط الفلسطينيين في معسكر قطنا بسوريا.

وفي عام 1946 م، التحق بالجيش السعودي الناشئ بمقره في الطائف، حيث أقام هناك، متولياً تدريب أفراد الفرق العسكرية، واستمر كذلك حتى عام 1948، الذي استقال فيه من وزارة الدفاع السعودية، كي ينضم إلى جيش الإنقاذ الفلسطيني، الذي شكلته اللجنة العسكرية التابعة للجامعة العربية من المتطوعين العرب، بهدف المشاركة في الحرب العربية الإسرائيلية الأولى في تلك السنة.

والمعروف أن وحدات جيش الإنقاذ، تكونت من لواءين وثمانية أفواج، فكان صاحبنا قائداً لسرية مشاة في «لواء اليرموك»، الذي قاتل على أرض فلسطين في أكثر من معركة. ويقال إنه كان إلى جانب الشهيد عبد القادر الحسيني، وقت استشهاد الأخير في معركة القسطل، بالقرب من القدس، في 8 أبريل 1948 م.

وبعد فترة وجيزة من انتهاء حرب 1948 بنتائجها المعروفة، قرر المدني سنة 1950، الخروج من جيش الإنقاذ لممارسة العمل المدني الحر، فعمل في تجارة المواد الغذائية، مع أخيه عادل، وظل يتنقل لهذا الغرض ما بين لبنان وتركيا. وفي هذه الفترة من حياته، تزوج في بيروت من اللبنانية «نادية مصطفى القباني»، التي أنجبت له تسعة أبناء (ست بنات وثلاثة أولاد)، ليستقر في لبنان مع نهاية عام 1951 م.

ويبدو أن الرجل لم يستسغ الحياة المدنية طويلاً، لأن العسكرية كانت تعيش في دمه وكيانه، وتلح عليه للعودة إلى عرينها، لذا، نراه يترك العمل الخاص، بدءاً من عام 1953. وقتها كان اسم وجيه المدني متداولاً بين القادة والمهتمين بالشؤون العسكرية في العالم العربي، كضابط محترف، يمكن الاستفادة من تعليمه وخبرته وإمكاناته وإجادته للإنجليزية والتركية.

وتصادف ذلك مع البدء في تشكيل اللبنات الأولى لوحدات الجيش الكويتي، تحت قيادة نائب الحاكم آنذاك، الشيخ عبد الله المبارك الصباح، فاستدعاه للعمل في الكويت، بل أرسل له في عام 1953 جواز سفر كويتي، كي ينتقل به إلى الكويت.

وهكذا استقل المدني من بيروت، إحدى الطائرات المدنية التي حطت به في الكويت، حيث استقبله الشيخ عبد الله المبارك، وألحقه فوراً بالجيش الكويتي، الذي تدرج من خلاله في الرتب العسكرية والمناصب القيادية.

في الكويت، سكن المدني أولاً بمنطقة الشامية، ثم منطقة «أم صده»، فإلى منطقتي النقرة والفروانية على التوالي. أما لجهة العمل، فقد بدأ في قيادة قوة الحدود برتبة مساعد ضابط رماية، ثم رقي إلى رتبة ملازم في فبراير 1954، فإلى رتبة ملازم أول في يونيو 1954، فإلى رتبة رئيس ثانٍ في أبريل 1955، فإلى رتبة رئيس أول في أبريل 1957. وحينما شكلت وحدة تدريب وتأهيل المتطوعين والملتحقين بالجيش الكويتي في مارس 1959، كان هو الذي تولى إمرتها، وكان أول رئيس لها حتى عام 1962.

في عام 1960، حينما قرر رئيس أركان الجيش الكويتي، الشيخ مبارك العبد الله الجابر الصباح، تشكيل فصيل للمغاوير متميز بالسرعة والقوة والعنف، أوكل إلى المدني اختيار 33 جندياً من صفوة الجيش، وتدريبهم على جميع أنواع المخاطر والصعاب.

أما حينما دخلت الكويت في أولى أزماتها مع العراق، بُعيد استقلالها عام 1961، وأعلنت فيها حالة الاستنفار والتأهب العسكري، لا سيما ضمن قوة الحدود، تولى المدني قيادة الكتيبة 15، التي تحركت مع الكتيبة 35، بقيادة سليمان المدير، نحو الخطوط الأمامية، تأهباً للقتال ضد قوات الزعيم العراقي عبد الكريم قاسم. كما قام المدني بقيادة فرقة مغاوير الجيش، في مناورة إنزال بحري مع القوات البريطانية على ساحل الضباعية بمحافظة الأحمدي.

بعد موافقة القمة العربية الثانية بالإسكندرية في سبتمبر 1964، على إنشاء «جيش التحرير الفلسطيني»، كجناح عسكري لمنظمة التحرير الفلسطينية، التي تأسست في يونيو 1964، بموجب قرار القمة العربية الأولى بالقاهرة (13 ــ 16 يناير 1964)، انتدب المدني من الجيش الكويتي، لتولي قيادته، بطلب من المرحوم أحمد الشقيري، أول رئيس للجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، فقام الأخير بترقيته إلى رتبة لواء، وذلك لتسهيل مسؤولياته الإدارية والعسكرية. كما عينه لذات الغرض، عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة.

وبدأت مراكز التعبئة والتجنيد في العراق وسوريا والأردن وقطاع غزة، تستقبل المتطوعين من فلسطينيي الشتات، للتدريب على حمل السلاح، والانضمام إلى صفوف جيش التحرير، ولهذا صار المدني يتنقل بجوازه الكويتي بين الدول العربية المستضيفة لوحدات جيشه، مثل وحدة حطين في سوريا، ووحدة القادسية في العراق، وقوات عين جالوت في مصر، وكتيبة المغاوير في لبنان والأردن.

وفي أعقاب هزيمة يونيو 1967، ومجيء قيادة جديدة لمنظمة التحرير الفلسطينية، رأت اللجنة التنفيذية الجديدة، أن ظروف المرحلة ومتغيراتها، تتطلب إجراء تغييرات في مناصب قيادة جيش التحرير، فعينت عبد الرزاق اليحيى قائداً جديداً له، وعلى إثر ذلك، تم إنهاء انتداب اللواء المدني، وعاد إلى الكويت، لكني وجدت في كتاب «مذكرات أول رئيس أركان لجيش التحرير الفلسطيني»، (مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر/‏ بيروت/‏ 2007)، لمؤلفه العميد ركن متقاعد صبحي الجابي، ما يفيد بأن عملية استبدال المدني، تمّ التبرير لها بعدم امتلاكه خبرات حربية أكاديمية عالية.

وطبقاً لمؤلف الكتاب، فإن ضغوطاً مورست عليه، في ذلك الوقت، من قبل الفلسطينيين والمصريين معاً، كي يترك منصبه، بدليل قيام الصحافة المصرية، وقتذاك، بنشر صورة قديمة له، تجمعه مع حاييم لاسكوف، الذي أصبح رئيساً لأركان الجيش الإسرائيلي، عندما كان الاثنان يخدمان برتبة ملازم أول في الجيش البريطاني، إبان الحرب العالمية الثانية. فهم الرجل وقتها مغزى نشر تلك الصورة، والهدف الخفي من ورائها، فقدم استقالته طوعاً.

وهكذا عاد المدني إلى موقعه الأصلي، كضابط في الجيش الكويتي، وظل يعمل فيه، إلى أن بلغ الستين، ليصدر مرسوم أميري في سبتمبر 1981، يقضي بتمديد خدمته، وتعيينه معاوناً لنائب رئيس أركان الجيش.

وفي هذه الفترة، تمّ تأسيس مديريتين قانونيتين في الجيش الكويتي، هما مديرية القضاء العسكري الأميري، التي أنيطت رئاستها بالرائد محمد العفاسي، ومديرية الشؤون القانونية، التي أوكلت رئاستها إلى المدني، إضافة إلى مناصبه الأخرى.

وبصفته تلك، ساهم في صياغة العديد من القوانين ذات العلاقة بالقوات المسلحة ومنسوبيها، ومنها القانون الخاص بالأوسمة والأنواط العسكرية الكويتية. وفي عام 1983، صدر مرسوم أميري آخر، قضى بترفيعه إلى رتبة لواء، مع إحالته للتقاعد، بدءاً من 16 يوليو 1983، بناء على طلبه، بسبب ظروفه الصحية.

ومما يذكر للمدني، أنه حينما عمل في إدارة التوجيه المعنوي بالجيش الكويتي، جعل للتوجيه المعنوي برامج إذاعية وتلفزيونية، وأسس فصولاً خاصة داخل الوحدات العسكرية لمحو أمية الجنود، مع انتداب معلمين لهم، ناهيك عن إشرافه على مجلة «حماة الوطن»، الناطقة باسم الجيش، منذ صدور عددها الأول في أكتوبر 1960.

كما يحسب له، أنه حينما كان برتبة رئيس أول، ويترأس قسم النشر والترجمة في الجيش، قام بتنشيط حركة النشر وترجمة الكتيبات الخاصة بأمور التعبئة والانضباط، واستخدام الأسلحة والمعدات العسكرية، من اللغة الإنجليزية إلى اللغة العربية.

وتشاء الأقدار أن يكون الرجل في قبرص، في حالة صحية حرجة، وقت حدوث الغزو العراقي للكويت، صبيحة الثاني من أغسطس 1990، ما جعل ولي العهد، رئيس مجلس الوزراء، الشيخ سعد العبد الله السالم الصباح، يأمر بنقله إلى الرياض للعلاج هناك، بالمستشفى العسكري التابع لوزارة الدفاع والطيران السعودية، وذلك تقديراً لإسهاماته، وتأكيداً على أن الكويت لا تتخلى عمن يحملون هويتها، حتى في أحلك الظروف.

وهكذا، قضى المدني فترة الغزو، وما رافقها من تهجير ودمار، وهو يتلقى العلاج في الرياض، ما بين المستشفى العسكري، ومستشفى الملك فهد التخصصي.

كانت أمنية وجيه المدني، أن يأتيه الأجل وهو على أرض الكويت، وأن يُدفن في ترابها، وقد حقق الله أمنيته، فكانت وفاته بعد تحرير الكويت بعدة أشهر، وتحديداً في 14 سبتمبر 1991، وفي اليوم التالي، ووري جثمانه الثرى بمقبرة الصليبيخات.

 

طباعة Email