البيتزا للجميع

ت + ت - الحجم الطبيعي

يبدأ الإعلان برجل، وجهه مألوف، يسير ممسكاً بيد طفلة عبر الميدان الأحمر في موسكو، حاملاً مظلة تحميهما من المطر. يدخل الرجل والطفلة مطعم «بيتزا هت». يلاحظ رواد المطعم دخولهما.

تجلس حول طاولة في المطعم أسرة بين أفرادها رجل وشاب من جيلين مختلفين. تلاحظ الأسرة دخول الرجل والطفلة المطعم، فيبدأ أفرادها الحديث عن إرث الرجل السياسي. يقول الرجل: «بسببه نعاني من اضطراب اقتصادي». يرد الشاب: «بفضله بات لدينا فرصة لحياة أفضل». يقول الرجل: «بسببه أصبح لدينا عدم استقرار سياسي». يرد الشاب: «بسببه أصبح لدينا حرية». يقول الرجل منفعلاً: «فوضى كاملة». يرد الشاب: «أمل». تقطع جدلهما سيدة مسنة من الأسرة فتقول: «بفضله أصبح لدينا أشياء كثيرة، مثل بيتزا هت».

يستحسن الرجل والشاب تعليق السيدة، ويقف الجميع مرددين هتافات يحيون من خلالها الرجل.

يظهر في نهاية الإعلان صوت يقول معلقاً: في بعض الأحيان، لا شيء يجمع الناس معاً مثل البيتزا الساخنة اللذيذة التي تقدمها «بيتزا هت».

ليست هذه دعاية مجانية نقدمها لشركة البيتزا المعروفة، ولكنها مقدمة للحديث عن الرجل الذي كان محور الجدل في المطعم؛ ميخائيل غورباتشوف، آخر زعيم للاتحاد السوفييتي، الذي كان يصطحب حفيدته أناستازيا فيرجانسكايا إلى مطعم البيتزا، الذي دخل العاصمة الروسية بعد تفكك الاتحاد السوفييتي رسمياً في 26 ديسمبر 1991م، عقب إصدار مجلس السوفييت الأعلى قرار الاعتراف باستقلال الجمهوريات السوفييتية السابقة، وإنشاء رابطة الدول المستقلة لتحل محل الاتحاد السوفييتي.

ظهر الإعلان عام 1997م، وبلغت تكلفته ملايين الدولارات، وفقا لمجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، التي ذكرت أن غورباتشوف طلب مبلغاً كبيراً من المال لأنه كان في حاجة ماسة إلى النقود في ذلك الوقت. وبحسب المجلة، واجه الزعيم السوفييتي السابق معارضة وانتقادات من كثيرين، منهم زوجته، لمشاركته في الإعلان، لكنه ردَّ قائلاً إن «البيتزا للجميع، والأمر ليس محض دعاية استهلاكية، وإنما ينطوي على تعزيز للمشاركة الاجتماعية».

صحيفة «ديلي ميل» البريطانية قالت إن الإعلان لخص كيف ألقى العديد من الروس باللائمة على غورباتشوف في انهيار الاتحاد السوفييتي ودخولهم فترة غير مريحة من التحول الاجتماعي والاقتصادي السريع، في الوقت الذي أشاد فيه آخرون بغورباتشوف لمنحهم حرية التعبير عن آرائهم.

كان هذا هو جوهر الجدل الذي دار داخل المطعم خلال الإعلان، في الوقت الذي كان فيه جدل آخر يدور في الخارج حول السرعة الذي حدث بها انهيار هذا الكيان الذي ضرب الزعماء السوفييت السابقون فوقه قبة حديدية على مدى سبعين عاماً، إلى درجة أن البعض ظنه قلعة لا يمكن اختراقها، ناهيك عن انهيارها، إلى أبد الآبدين.

مساء الثلاثاء 30 من شهر أغسطس الماضي، تم الإعلان عن وفاة ميخائيل غورباتشوف عن 91 عاماً بعد صراع طويل مع المرض، ليعود الإعلان إلى الظهور من جديد، ويبدأ جدل آخر، ليس حول الإعلان الذي مضى عليه ربع قرن هذه المرة، وإنما حول شخصية الرجل الذي على يده تفكك ذلك الكيان الكبير الذي أرعب دولاً صغيرة وأخرى كبيرة خلال تلك الحقبة الحافلة بالأحداث من تاريخ العالم، حقبة شكلت مساراً تاريخياً بحروبها الباردة والساخنة، وبتحالفات دولها الشرقية والغربية، وبولاءات زعمائها وثوارها وسياسييها للمعسكرين الشرقي والغربي، وفقاً لتصنيف المؤرخين لمصطلحات تلك المرحلة والمناخ الذي كان سائداً فيها، ولتطلعات شعوبها وأشكال الأنظمة السياسية التي كانت قائمة وقتها، وتلك التي كانت على وشك أن تقوم أو تنفض عن نفسها آثار الحربين العالميتين الأولى والثانية، وما نتج عنهما من استعمار الدول الكبرى للدول الصغيرة.

هل كان الرجل وطنياً، وهل عمل لمصلحة بلده عندما أدخل على النظام إصلاحات سياسية ليبرالية، أطلِقت عليها مسميات مثل «البيريسترويكا» و«الغلاسونست»، أم كان خائناً لمبادئ النظرية التي تأسس عليها الاتحاد السوفييتي السابق؟

هذا هو السؤال الذي عاد للظهور مجدداً بعد وفاة الرجل الذي تحول من زعيم لواحد من أكبر الكيانات السياسية في القرن العشرين، دائماً ما اقترنت صور زعمائه بالرعب، إلى مواطن عادي يسير في شوارع موسكو مثل ملايين البشر، يصطحب معه حفيدته إلى مطعم بيتزا، كي يظهر في إعلان مدفوع الثمن، في سبيل أن يرى الشعب السوفييتي وجهاً من جوه الحياة، طالما سمعوا عنه لكنهم لم يشاهدوه، حتى لو اختلف الناس حول جمال هذا الوجه أو بشاعته.

رحل صاحب دعوة «البيتزا للجميع» تاركاً خلفه جدلاً حول مثلثات البيتزا التي تبعثرت على يده، وهل يمكن جمعها مرة أخرى، حتى لو كان من يحاول أن يجمعها قيصراً، رغم أن زمن القياصرة قد ولى.

طباعة Email