غورباتشوف والإصلاح خارج السياقات التاريخية

ت + ت - الحجم الطبيعي

تم أول من أمس السبت تشييع جثمان آخر رئيس للاتحاد السوفييتي السابق ميخائيل غورباتشوف في أجواء عائلية غاب عنها بهرجة الحضور الرسمي اللافت، رغم زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لجثمانه قبل موكب الجنازة، وفي المقابل عاش الرجل ومات «بطلاً» في الغرب الديمقراطي لأسباب عدة منها مساهمته المباشرة في إنهاء الحرب الباردة والحد من سباق التسلح، وفتح الباب أمام «استقلال» جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق، والبدء بتركيز منظومة تعددية تقطع مع الحزب الواحد.

وفي المقابل، كان أمل غورباتشوف معقوداً على أن تنهض دولته وتقوى وكان حلمه وبعده الرئيس الروسي بوريس يلتسين، هو اقتسام السيطرة على العالم مع الولايات المتحدة، لكن المد الوطني في دول عدة حال دون ذلك.

ومعلوم أنه في روسيا ينظر رسمياً وشعبياً إلى غورباتشوف على أنه المتسبب الرئيس في تفكيك منظومة الاتحاد السوفييتي وفي الانهيار التام لدولة كانت تحدث التوازن في العلاقات الدولية، وتقتسم السيطرة على العالم مع الغرب، وهو ما أدى في تقديرهم إلى حالة من الضعف والهوان قادا روسيا وجمهوريات الاتحاد السوفييتي إلى أزمات اقتصادية وسياسية أوقعتها تباعاً في مناطق نفوذ الغرب، ولم تسلم حتى روسيا، التي وإن ورثت على المستوى الدولي مكان ومكانة الاتحاد السوفييتي، فإنها لم تخرج من دوامة الأزمات المتلاحقة نتيجة لتنكر «الغرب الديمقراطي» منذ البداية لالتزاماته مع غورباتشوف.

وبدا واضحاً أن الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة، آثروا مواصلة دفع الاتحاد السوفييتي إلى الاضمحلال بدل دعم حركة الإصلاح التي «بشّر» بها غورباتشوف منذ صعوده إلى رئاسة الحزب الشيوعى العام 1985 ثم إلى رئاسة الدولة في العام 1990.

وكان جوهر الفكر الإصلاحي لغورباتشوف اعتماد مبدأ الشفافية في التسيير الـ«غلاسنوست» وسياسة «البريسترويكا» أي إعادة هيكلة منظومة الاتحاد السوفييتي في اتجاه أكثر انفتاحاً وديمقراطية، وإعطاء صلاحيات أوسع للجمهوريات المكونة لها، لكن عملية «الإصلاح» هذه أدت، كما هو معلوم، إلى نتائج عكسية وأصبحت الحركات الوطنية من أهم الآليات التي ساهمت في تدمير الاتحاد السوفييتي بعد ما فقد هذا الأخير وحتى الغرب السيطرة عليها.

إن مسألة الإصلاح مسألة حساسة وخطيرة إن هي لم تأخذ في الاعتبار السياقات الداخلية والدولية، وهو ما يفسر أن برنامج الإصلاح الذي أعلنه غورباتشوف العام 1985 سرع بانهيار الاتحاد السوفييتي لأنه أولاً، أخطأ قراءة الوضع الداخلي وأساء تقدير أهمية الحركات الوطنية الانفصالية، ولم يفهم أن الإصلاح الديمقراطي في الأنظمة المغلقة يجب أن يتم على مراحل حتى لا يؤدي إلى الانفلات والانفجار.

وثانياً، أصبح من الواضح الآن أن غورباتشوف لم يفهم أن الغرب، وتحديداً الولايات المتحدة، كان يخطط لزوال الاتحاد السوفييتي وليس لإصلاحه وإنقاذه، وهو لم يفهم أن كل التحالفات مع الغرب هي وقتية وتنتهي بانتهاء الغاية منها، وأن الحروب - كل الحروب - التي خاضها ويخوضها «الغرب الديمقراطي» وترتدي في الغالب عباءات الدفاع عن الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتصدي لقوى الشر، هي في واقع الأمر حروب لتحقيق مصالح ومنافع، وقد يكفي أن نتساءل اليوم عن مصير أفغانستان التي وظفت في إنهاك الاتحاد السوفييتي، وقد نتساءل غداً عن وضع أوكرانيا التي تستهلك اليوم في مزيد إضعاف دولة روسيا والقائمة تطول وتتوسع.

إن سوء التقدير هذا هو العامل الأساسي في تسريع انهيار دولة الاتحاد السوفييتي التي كانت تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية وسياسية لم تقدر المنظومة السابقة على تجاوزها لاستحالة ذلك موضوعياً.

ولعل أكبر أخطاء غورباتشوف أنه لم يسأل نفسه سؤالاً إجابته تبدو بديهية وهو، لماذا يريد من الغرب أن يمول عملية إنقاذ الاتحاد السوفييتي في حين أنه كان في حالة موت سريري وأن المطلوب كان تفكيكه والتخلص منه؟! والنتيجة كانت أن الغرب أخذ منه ما يريد ثم تركوه ودولته العليلة إلى مصيرهم المحتوم، وبدل تركيز إصلاح جذري ينهض بالمجتمع والدولة ويفتح باباً لعلاقات دولية ونظام عالمي جديدين، فعم الفقر وازدادت التبعية للغرب وحل الدمار بدولة السوفييت ودخل العالم في نظام القطب الواحد الذي لا سلطان فيه لغير الولايات المتحدة، وكان يحسب أنها نهاية التطورات، ولكن استفاقة الوعي الوطني لدى الدول والشعوب ومنها روسيا، أعادت من جديد خلط الأوراق بما قد يؤول إلى نظام عالمي متعدد الأقطاب مجدداً.

ويبقى من المؤكد أن العالم مقدم على مرحلة صعبة وخطيرة ومثلما «أن اضمحلال الاتحاد السوفييتي كان أكبر كارثة جيوسياسية حديثة»، بحسب ما قال الرئيس فلاديمير بوتين، فإن سياسات الغرب التي تحددها فقط الأهداف الآنية وقصيرة الأمد وكذلك «الإصلاحات» غير المحسوبة والمجردة عن أي سياق تاريخي، هي من العوامل التي تقود العالم إلى الدمار المحتوم.

 

طباعة Email