شخصيات تحت المجهر

إبراهيم كانو.. الأب الروحي لإذاعة البحرين وكبير رموزها

ت + ت - الحجم الطبيعي

الذين ولدوا في البحرين أو في دول الجوار الخليجي، لاسيما المنطقة الشرقية من السعودية، مع انتصاف القرن العشرين، تحفل ذاكرتهم بقصص وحكايات عن إذاعة البحرين اللاسلكية، التي كانت أول محطة إذاعية تبث من منطقة الخليج العربي، فقد عاشوا سنوات شبابهم على أثيرها، وتماهوا معها وجدانياً، واستقوا من برامجها ثقافتهم المبكرة، وكانت أحد المصادر القليلة لتسليتهم والترفيه عنهم.

تقول أدبيات الإعلام المسموع: إن أول إذاعة تأسست فيها كانت إذاعة البحرين الأولى، التي أنشأها الإنجليز، لتزويد الجمهور بآخر تطورات الحرب العالمية الثانية، وأيضاً لمواجهة دعايات إذاعة «هنا برلين.. حي العرب» النازية، وقد افتتحها الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة بكلمة في مقرها بمبنى المحاكم بتاريخ 4 نوفمبر 1940م. عن هذه الإذاعة كتب الباحث عبدالعزيز يوسف السيد في كتابه «مسيرة وطن»: إن الحكومة قررت منذاك فرض رسوم سنوية على استعمال الراديو قدره روبيتان (ألغي القرار في عام 1945)، وإن عدد من كان يمتلك جهاز راديو وقتها لم يتعد 68 شخصاً.

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية انتفى الغرض من إذاعة البحرين الأولى، فأغلقت وعاشت البحرين عقداً من الزمن تقريباً دون إذاعة إلى أن تقرر تأسيس إذاعة جديدة، افتتحها حاكم البحرين الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة في 21 يوليو 1955. وكانت بقوة كيلووات واحد فقط، وفترة بث لا تزيد على الساعتين في اليوم، لكن ساعات البث ازدادت تدريجياً حتى وصلت إلى 18 ساعة متواصلة، مع تنوع البرامج واكتشاف الأصوات الرجالية والنسائية الواعدة.

ما يعنينا هنا هم الرجال الأوائل، الذين أسهموا في تأسيس إذاعة البحرين اللاسلكية من الصفر، وعملوا على إدارتها وإنجاحها وتوصيل صوتها إلى الخارج وإنتاج وتقديم برامجها في زمن الموارد القليلة والإمكانات المحدودة والحياة البسيطة. من بين هؤلاء يبرز اسم «إبراهيم علي إبراهيم محمد أحمد مبارك هلال كانو» صاحب الصوت الرخيم القوي والأذن الموسيقية والطول الفارع والمواهب المتعددة والشخصية الآسرة الطيبة، الذي كان أول مدير لهذه الإذاعة، وقوتها الدافعة ولولبها المتحرك ومنتج معظم برامجها لسنوات، قبل أن ينتقل إلى الديوان الأميري زمن الأمير الراحل الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة للعمل كمستشار إعلامي.

ولد كانو بالمنامة عام 1921، ونشأ في فريج كانو المعروف بوسط العاصمة، ودرس بمدرسة الهداية الخليفية بالمحرق، ثم أكمل تعليمه في بيروت. وحينما كان تلميذاً بمدرسة الهداية برزت مواهبه الكثيرة، من خلال الأنشطة المدرسية المتنوعة، خصوصاً أنه كان هاوياً للقراءة والاطلاع وشغوفاً بالشعر والتراث العربي الإسلامي، فمن ناحية برز كخطيب في المناسبات والاحتفالات المدرسية وغيرها، بفضل صوته الجهوري المتميز، ومن ناحية أخرى برز في الأنشطة الرياضية المتنوعة ولا سيما لعبتي الطائرة والسلة،بفضل طوله الفارع، ومن ناحية ثالثة لمع اسمه في النشاط المسرحي بسبب عشقه للروايات والقصص.

على خلاف الآخرين من أبناء الأسر المعروفة فضل كانو أن يعتمد على نفسه في بداية مشواره، فاقتدى بمواطنيه، الذين كانوا في أربعينيات القرن العشرين يسافرون إلى السعودية بحثاً عن العمل والرزق، فسافر إلى الخبر بحراً، ومنها انتقل إلى مدينة عرعر الشمالية للعمل في مشروع خط التابلاين، بعد فترة من العمل المضني هناك عاد إلى البحرين، فعمل في بلدية المنامة، ومنها انتقل للعمل لدى شركة نفط البحرين لفترة من الزمن.

إلى ذلك دفعه شغفه بالرياضة للعمل مدرساً للتربية البدنية في المدرسة الشرقية بالمنامة لبعض الوقت، خصوصاً أنه كان لاعباً وحارساً للمرمى وحكماً ناجحاً، بل من أوائل البحرينيين، الذين مارسوا تحكيم الكرة ضمن الدوري العام، وقد قاده عشقه للرياضة وتشجيعه لنادي النسور بالمنامة (النادي الأهلي حالياً) إلى طلب عضوية النادي، فصار من أعضائه المهمين، وممن عملوا في سبيل رفعته وريادته في العديد من الألعاب.

ومثلما برز كانو كعضو فعال وناشط في الحركة الرياضية البحرينية فإنه كان أيضاً من الشخصيات الفاعلة والنشطة في الحركة المسرحية، ولعل ما ساعده على اقتحام المسرح بنجاح قراءاته المتنوعة وصوته المميز وجمال إلقائه، ناهيك عن براعته في اللغة العربية والشعر الفصيح، وهكذا أسس كانو لنفسه تاريخاً مسرحياً حافلاً، أولاً من خلال المشاركة في عدد من المسرحيات المحلية المقامة على مسارح المدارس والأندية، ولاحقاً من خلال التمثيليات والمسرحيات والمسلسلات، التي أعدها للإذاعة، وشارك في بعضها شخصياً، ومنها على سبيل المثال المسلسل الإذاعي «البؤساء»، الذي شارك فيه كانو، متقمصاً بصوته دور بطل القصة «جان فالجان».

كان الشيخ سلمان قد سمع عن كانو ومواهبه وصوته ونبوغه في الخطابة والإلقاء والتعليق على مهرجانات المدارس الختامية، فاستدعاه أوائل عام 1955، وطلب منه الاستعداد للعمل في إذاعة ستؤسس قريباً، فرد كانو: «أنا دائماً في خدمتكم وستجدوني عند حسن ظنكم». يقول حسين محروس في كتابه عن إذاعة البحرين الموسوم «سيرة الكلام»: إن مستشار حكومة البحرين آنذاك سير تشارلز بلغريف اتصل به في اليوم التالي، وأخبره بأنه تم اختياره لتأسيس الإذاعة، وسأله عمن يريد أن يكون معه مسؤولاً عن الكنترول، فاختار صديقه عبدالرحمن عبدالله، الذي بدأ معه في الإذاعة، ورافقه لسنوات ثم خلفه في منصب المدير.

وهكذا حمل كانو على عاتقه المهمة الصعبة، وكان الصوت الأول، الذي انطلق من الإذاعة في يوم افتتاحها قائلاً: «سيداتي آنساتي سادتي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، باسم الله نبتدئ، وعلى اسم الله نسير، لا نأخذ على الغيب عهداً، ولكن نقطع على أنفسنا وعداً. إنها خطوة مباركة في عهد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة، حاكم البحرين، الذي لم يأل جهداً في توفير كل وسيلة من وسائل الثقافة والرقي لأبناء شعبه الكريم. نعم، ستكون لنا أهداف وسنفرض على أنفسنا برامج، ولكن بمعاونتكم ومؤازرتكم وتكاتفكم مع هذه الإذاعة، التي تحمل اسمكم ونعتبرها منكم وإليكم، وخلاصة أهدافنا هي تعريف العالم العربي بنا، وتعريف نفسه بنفسه، وستكون أداة للتثقيف والتسلية، وتحاول أن تلتقي بالناس قدر استطاعتها، لتسد جانباً من الفراغ على نحو طيب معقول من التسلية المحترمة المقبولة».

عن بدايات عمله في الإذاعة وما واجهه من مصاعب قال كانو (بتصرف): «بدأنا العمل وحمد بلغريف (ابن مستشار الحكومة) مشرف علينا، وبعض البرامج يتم إعدادها في دائرة الإعلام، وترسل إلينا لتقديمها، إلى جانب برامج خفيفة كنا نعدها نحن ونسجلها ونذيعها. لم يكن لدينا في الإذاعة وقتها سوى الأسطوانات، أما المؤثرات الصوتية فكنا نتحايل لصنعها، فمثلاً كنا نأتي ببانكة (مروحة) وخوص من سعف النخيل، نضعه أمامها للحصول على صوت الريح، وللحصول على صوت صدى كنا نضع السماعة قرب المروحة، وللحصول على صوت الماء كنا نحضر طشتاً به ماء ونحركه أمام الميكرفون». ويضيف كانو متذكراً: «في الستينيات انضم إلى أسرة الإذاعة المدرس الموهوب عتيق سعيد، فبدأنا نقدم التمثيليات، وتغلبنا على نقص أشرطة التسجيل باستخدام الشريط الواحد عدة مرات، نسجل مادة، ونمسحها لاستخدامه في مادة أخرى».

والمعروف أن كانو هو الذي كان يحرر نشرة الأخبار، مستقياً محتواها من المحطات الإذاعية الأخرى، لذا كان يحرص دوماً على أن يقرأ النشرة بنفسه، خصوصاً إذا كانت تتضمن أخباراً هامة، ما جعل المستمعين ينصتون إليه جيداً كلما كان هو قارئ النشرة. وفي هذا السياق أخبرني ابن إذاعة البحرين الراحل الأستاذ سعيد الحمد، رحمه الله، أنه كان من الصعب في تلك الأيام الوصول إلى كانو لاستدعائه إلى دار الإذاعة، لتلاوة الأخبار المهمة، بسبب عدم انتشار الهواتف بعد، فتم الاتفاق بينه وبين زملائه على أن يذيعوا أغنية «النهر الخالد» لمحمد عبدالوهاب كإشارة على ضرورة قدومه إلى دار الإذاعة فوراً لقراءة الخبر الهام. وفي السياق نفسه قال كانو عن نشرات الأخبار من إذاعة البحرين ما ملخصه أن الناس كانت تغضب من سماع أخبار لا تتطابق مع هواها، أو لا يعجبها. حدث ذلك مثلاً عندما قرأ كانو أخبار هزيمة السادس من يونيو 1967، فرفض المستمعون تصديقه، بل اتهموه بأنه يخربط عليهم. وبالمثل، كان يسجل بصوته الرخيم أيضاً النصوص الشعرية وقصائد المدح النبوي، مستعيناً بثلة من معارفه وأصدقائه ممن انتقاهم، واكتشف مواهبهم الكامنة ووظفهم لحمل مشعل العمل الإعلام المسموع في البحرين. لذا، فإن الكثيرين من أبناء الإذاعة يدينون له بالفضل ومنهم: أحمد يتيم وعلي تقي وعبدالرحمن عبدالله وعتيق سعيد وحسن كمال ومحمد صنقور، علاوة على مجموعة الشباب، الذين برزوا من خلال برنامج «ركن الأشبال» الأثير مثل سعيد الحمد وأمينة الشملان وبروين زينل وأمينة حسن وبدرية عبداللطيف وفاطمة شويطر وعائشة عبداللطيف وغيرهم.

قلنا إن كانو تمتع بأذن موسيقية، وهو ما ساعده على اختيار الأجود من برامج الموسيقى العربية والأغاني المصرية واللبنانية والعراقية لإذاعتها، علاوة على تقديم فقرات يومية من الطرب الشعبي أيضاً لكبار فناني البحرين الشعبيين. ومن هذا المنطلق قام بجهد جبار في كل اتجاه كي تكون للإذاعة مكتبة غنائية مكتملة، ما ساعدها على بث واحد من أكثر برامجها شعبية، وهو برنامج «ما يطلبه المستمعون»، الذي كان يكتظ بإهداءات الأغاني من فلان إلى علان، وهكذا.

وأخيراً، فإن مما يجدر بنا ذكره ضمن الحديث عن سيرة ومشوار إبراهيم كانو أنه في بدايات عمله بالإذاعة التحق بدورة تدريبية في إذاعة الشرق الأدنى، التي كانت تبث برامجها من قبرص، كما أنه ابتعث في فترة لاحقة إلى بريطانيا لتلقي دورة في فنون العمل الإذاعي، إخراجاً وإنتاجاً وتقديماً، لدى القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، وهو ما ساعده في تقديم الجديد والطريف من الأفكار والبرامج المشوقة، والتغلب على ضعف الإمكانات، وسد فراغ قلة معدي ومخرجي البرامج.

رحم الله إبراهيم كانو، الذي انتقل إلى جوار ربه في 2 فبراير 1991، بعد رحلة حافلة تميزت بالتفاني والإخلاص والإبداع، والتواصل مع الناس بتواضع وصدق ومحبة.

 

طباعة Email