وقفة أمام إدارة الموارد الطبيعية

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعتبر الكائنات الحية بشتى أنواعها من المنظومات المفتوحة التي تتفاعل مع البيئة وتتبادل التأثير معها، حيث تقتصر حاجات هذه الكائنات نباتية كانت أم حيوانية فيما عدا الإنسان على الهواء والماء والغذاء. فهذه الكائنات مهما تنوعت تعيش ضمن الحدود التي تسمح بها البيئة إذ لا تسمح خصائصها الفسيولوجية ولا منظومات أجهزتها الحسية بالانحراف عن مسار الإيقاعات البيئية فهي غير قادرة إلا أن تكون عناصر فيها يسهم نشاطها بشكل تلقائي في إدامة التوازن الذي يحفظ الحياة.

أما الإنسان فهو عالم مختلف تماماً فقد انفصل عن المنظومة البيئية الطبيعية منذ اكتشف «الوعي» الكامن في كيانه وتعرف على خصائص يده القادرة على صنع مختلف الأدوات ليصنع بوساطتها بيئة أخرى تتناسب مع حاجاته المتزايدة، بيئة تزداد بعداً عن البيئة الطبيعية مع استمرار التطور في مستوى المعرفة.

فالطبيعة توفر موارد أولية فقط لهذا الإنسان، فهي لا تطهو طعاماً ولا تخيط ملابس ولا تعقم مياهاً ولا تقدم وسيلة انتقال أسرع من الحصان ولا...ولا...

إن جميع الأنشطة التي نمارسها في حياتنا اليومية، أفراداً ومجتمعات، لها في نهاية المطاف مردودات على مدى توافر الموارد الطبيعية وعلى جودتها في هذا الكوكب.

فالكثير من الأنشطة الإنتاجية خصوصاً في مجال الطاقة وفي بعض الصناعات تجري خلال عمليات ذات اتجاه واحد اتجاه «لا رجوعي» والتدهور البيئي الذي لم يعد خافياً على أحد في معظم مناطق العالم هو أحد الإشارات الدالة على عدم قدرة المنظومات البيئية على إدامة الموارد في أطر الأنشطة الإنتاجية السائدة محلياً أو إقليمياً أو دولياً.

وعلى الرغم من أن بعض المختصين في شؤون البيئة يرون أن من المستبعد أن تستنزف الموارد غير المتجددة مثل المعادن والبترول والغاز والفحم تماماً وذلك لأن ندرتها يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع أسعارها ويدفع بالتالي من ترتبط مصالحه بتوافرها إلى السعي لإيجاد البدائل أو إعادة التصنيع دون الإخلال كثيراً بحسابات السوق على الرغم من أن ذلك يفرض ضرائب ثقيلة على المنظومات البيئية من الصعب التكهن بتأثيراتها.

إلا أن جهات دولية أخرى ترى غير ذلك فقد أوضحت أخيراً منظمتا «الصندوق العالمي للطبيعة وغلوبال فوتبرنت نتوورك» وهما منظمتان غير حكوميتين تأسستا بهدف حماية الموارد الطبيعية في العالم، بأن الاستهلاك العالمي قد وصل حداً تجاوز فيه موارد الأرض وإننا بتنا نقضم الرأسمال الطبيعي للكوكب وأصبحت البشرية تعيش على حساب الأجيال القادمة.

فهناك مؤشرات عدة تؤكد أن الموارد المتجددة والتي تشمل المياه والأوكسجين والغابات وخصوبة التربة والثروة الحيوانية والسمكية هي في الواقع تحت الضغط الشديد الذي تسلطه ممارساتنا الحالية، وإن حالتها تشهد تدهوراً لا يمكن إخفاءه ويكفي أن نذكر شحة المياه الصالحة للاستهلاك البشري وتقلص المساحة الخضراء كأمثلة بسيطة بادية للعيان.

فقد تجاوزت الضغوط البشرية على موارد الأرض قدرة أنظمتها البيئية الطبيعية على التجديد.

وتتزايد الضغوطات على هذه الموارد مع النمو المطرد ودون ضوابط في عدد سكان العالم الذي أصبح «أكبر سناً» بسبب زيادة متوسط العمر وتتراجع معدلات التنمية فيه أو تتوقف في أحسن الحالات، هذا في الوقت الذي ترى فيه المنظمات الدولية أهمية وضرورة تحسين الظروف المعيشية لما يزيد على البليون شخص من الذين يعيشون تحت خط الفقر ودخل يقل عن دولارين يومياً.

وفي هذا ما يستوجب التوقف ملياً، ففي الوقت الذي تتعاظم الجهود العالمية لمعالجة ما تسببه أنشطتنا من أضرار وصلت حدود المساس بما يهدد الحياة على سطح هذا الكوكب وهو التغيرات المناخية لا نجد ما يوازي هذه الجهود فيما يتعلق بجانب لا يقل أهمية وهو استنفاد الموارد الطبيعية.

نحن نتجه نحو كمين نسجت شباكه عشرات السنين من تجاهل شبه تام لمسؤولياتنا في الحفاظ على البيئة وإدامة مواردها، كمين سيتطلب الهروب منه عبقرية نادرة وتعاون واسع عبر الشعوب والثقافات ومنظومات قيم إنسانية جديدة.

إذ إن الفشل في التمكن من إدامة الموارد هذه يقود في حالات كثيرة إلى الصدامات والكوارث التي تعمل هي الأخرى على إضعاف آلية الإدامة الطبيعية لهذه الموارد. التصميم على مواجهة هذا التحدي على مستوى عالمي رغم صعوبة ذلك هو الخيار الوحيد أمام البشرية ومفتاحها الوحيد للوصول إلى الإدامة.

 

طباعة Email