تطور النظام الدولي 5

ت + ت - الحجم الطبيعي

رأينا في الحلقات الماضية كيف تطور النظام الدولي من إرهاصاته الأولية في اتفاق ويستفاليا في القرن السابع عشر إلى أن تربعت الولايات المتحدة على عرش النظام الدولي فيما عرف بنظام القطب الأوحد. وفي هذه الحلقة الأخيرة من سلسلة تطور النظام الدولي، نناقش تحول النظام الدولي من أحادي القطب إلى متعدد الأقطاب. وما نرى اليوم من احتدام التنافس بين الصين والولايات المتحدة وروسيا إلا بوادر تشكل النظام العالمي الجديد.

شهد العالم من قبل نظام متعدد الأقطاب، بل أن الحالة السائدة كانت نظام متعدد الأقطاب، عدا عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية والذي شهد نظام ثنائي القطب ـ الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ـ ونظام أحادي القطب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ويختلف منظّرو العلاقات الدولية على أي من نظام ثنائي أو متعدد الأقطاب أكثر استقراراً؛ رغم أن نظام متعددي الأقطاب أنجب الحروب النابليونية والحربين العالميتين الأولى والثانية. بينما نظام ثنائي القطب كان أكثر استقراراً على المستوى النظام العالمي برغم تعدد الحروب على المستوى الأدنى.

وبرزت التحولات الجديدة في النظام العالمي منذ تعثر مشروع الولايات المتحدة في العراق، ومشروع الرئيس جورج بوش الابن لتحويل منطقة الشرق الأوسط إلى واحة موالية للغرب. ما حصل كان العكس. تهشمت المنطقة واستشرى الإرهاب، خاصة بعد صعود تنظيم داعش الإرهابي وسيطرته على رقعة جغرافية كبيرة.

وعلى ما يبدو أن أحداث ما يسمى بـ»الربيع العربي» أخذت الولايات المتحدة على حين غرة، ولم تعرف ماذا تصنع في وجه الفوضى في أقطار عربية كثيرة. وفي نفس الوقت، بدا نجم الصين في الصعود والتي تجاوزت الولايات المتحدة في عشرين مؤشراً للقوة. ومع الفشل الذريع في منطقة الشرق الأوسط والتي أصبحت عصية على السياسة الخارجية الأمريكية، تبنت إدارة الرئيس باراك أوباما استراتيجية التحول شرقاً لموازنة الصين في منطقة الباسيفيك. ولطَمْأنة الحلفاء في المنطقة حتى لا يركبوا العربة الصينية المتسارعة.

وكان ردة فعل الداخل الأمريكي من حروب أمريكا الخارجية سخطاً شعبياً على التدخلات الخارجية بينما تئن البلاد تحت العوز الاقتصادي والمالي كنتيجة للأزمة المالية في 2008. وما ينفق من مال لإدارة العالم أصبح عبئاً طالما أن البنية التحتية للولايات المتحدة تعاني من الاهتراء المتزايد. علاوة على التفاوت الكبير في مداخيل الأمريكيين والتي زادت من حنق الجماهير العريضة. وتعتبر الولايات المتحدة أعلى دولة في تفاوت الدخول بين دول مجموعة السبع؛ وما حركة «احتلوا وول ستريت» إلا تعبيراً عن هذه المشاعر الممتعضة من الوضع القائم.

وعبر الكثير عن هذه المشاعر عندما صوتوا للشعبوي دونالد ترامب في 2016، والذي جاء على أجندة أمريكا أولاً، وجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى. وأعلن أنه سيتخلى على كثير من التزامات واشنطن الخارجية ومن ضمنها الاتفاقات التجارية مع كندا والمكسيك والشراكة العابرة للمحيط الهادئ. كما انسحب من اتفاقيات دولية مثل اتفاقية المناخ والاتفاق النووي مع إيران. وهدد بالانسحاب من حلف «ناتو» إذا لم يشارك أعضاؤه في تقاسم أعباء الحلف. وزاد نسبة الجمارك على منتجات الحلفاء الأوروبيين. وعندما ضربت الجائحة العالم في 2020، وبدلاً من أن تقود واشنطن العالم، كالعادة، انسحب ترامب من منظمة الصحة العالمية لأنها لم تتوافق مع سياساته.

ظاهرة ترامب لم تكن المتسببة فيما يمر به العالم، بل إن ترامب نتاج طبيعي للتغير العالمي. وانحسار قيادة الولايات المتحدة للعالم أسبابها داخلية وخارجية. يحاول الرئيس جو بايدن استعادة زمام الأمر في العالم ولكن الإمكانية والإرادة الأمريكية تقهقرتا. وبروز دول أخرى في النظام الدولي مثل الصين وروسيا، فضلاً عن الهند والبرازيل تبشر بعالم متعدد الأقطاب. وما الحرب في أوكرانيا والتوتر حول تايوان إلا تجليات النظام العالمي الجديد المتعدد الأقطاب.

مع توقيع صلح ويستفاليا، كتب السياسي السويدي كونت إكسل جستافسن أكسنسترنا إلى ابنه رسالة قال فيها «ألا تعلم، يا بني، بكم من قلة الحكمة يدار بها العالم».

 

طباعة Email