بين المنجنيق والطنبور!

ت + ت - الحجم الطبيعي

تذكر بعض الروايات التاريخية أنه عند اقتراب قوات المغول من بغداد، وصلت إلى بدر الدين لؤلؤ أمير الموصل رسالتان تحملان طلبين، إحداهما من هولاكو والأخرى من الخليفة العباسي المستعصم، أمّا الزعيم المغولي الدموي فقد أرسل يطلب منجنيقات وعرّادات وسلالم لاقتحام الأسوار العالية، بينما طلب المستعصم الذي تقترب منه جيوش الموت بعض المغنيات وأنواعاً معينة من آلات الطنبور!

قد يعرف هذه القصة الكثيرون، والداهية الدهياء أنّ بعض من يعرفها ويكرر ذكرها على غيره لا ينتبه أنّه يسقط بالخطيئة ذاتها دون أن ينتبه، فعندما تُؤطَّر إشكالية الخلل الذي حدث من المستعصم في المغنيات والعود، فهذا يعني أننا لم نفهم الدرس، فالخلل كان سيبقى نفسه لو لم يطلب المغنيات ولكنه انشغل بترتيب الحدائق وتنسيق الزهور والتريّض يومياً لحرق السكر وخفض الكوليسترول!

من المهم أن ننظر للمعركة بطريقة أبعد من النظرة التقليدية، وأقول معركة لأنّ استهداف الأمّة في دينها وقيمها أصبح ديدناً يكاد يكون وحيداً لمن يعمل بالخفاء لمستقبل عالَمٍ لا يريد أن يرى فيه إسلاماً إلا إسلاماً هجيناً يتم وضعه بمقاسات الغرب، وهو أمرٌ وإن كان «بعيداً عن شواربهم»، فالدين قد تكفّل الله بحفظه، لكن هذا الحفظ يكون في جزء رئيسي منه بوقفات الرجال، ولن يقف له أحد أشد أثراً من علماء الأمّة وحملة رسالتها والمسؤولين أمام ربهم قبل كل أحد عن هذه الأمانة وماذا فعلوا للحفاظ عليها والدفاع عنها.

كان الطعن في سالف السنوات لا يتعدى بعض الأحكام في الفروع الفقهية، ثم ارتقى ليتم الطعن في رموز من سَلَف الأمة حتى وصلوا للصحابة رضوان الله عليهم، ثم استخدم الطعن بأولئك الصحابة للطعن فيما رووه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتباكوا إمعاناً في المخادعة على مقام النبوة من هذه الروايات التي شوّهتها، ولم يمر وقت طويل حتى رفعوا راية إسقاط كتب السنة الشريفة كلها من خلال مهاجمة أصح تلك الكتب وهو صحيح البخاري، وامتلأت منصات التواصل بمقاطع فيديو وثرثرات لا تنتهي تحاول التشغيب والحط مما فيه من أحاديث والتباكي من جديد على ركب الحضارة الذي فات هؤلاء الصغار بسبب البخاري!

ولأن أحابيل الثعالب معروفة، فقد كان بيّناً أن مهاجمة السنة والدعاوى بضرورة الاكتفاء بالقرآن الكريم فقط ما هي إلا «تكتيك» وقتي لا أكثر من باب «أُكِلْتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض»، فالتدرّج كان واضحاً، والهدف النهائي كان معلوماً لكل عاقل بأنّهم يستهدفون القرآن نفسه لمحاولة إسقاطه بدعاوى «أنسنة» الموروث وما تحمله من نزع هالة التقديس عن المصحف ووضعه تحت مشارط النقّاد من البشر ليحاكموا كلام رب البشر!

جدير بالذكر أنّ الغرب قد اكتفى بحمقى العرب ليشهروا خناجرهم لتنهش في كيان الأمة ودينها وقيمها وإرثها العظيم، وما التلميع والدعم العجيب الذي يحصل عليه كل طاعن في الإسلام أو القرآن أو السنة إلا دليل على أنّ هؤلاء أدوات تخريبية مُخطَّط لها جيداً، ولئن كان هؤلاء حمقى قد تم تجنيدهم لخدمة أجندات تغريبية، فإنّ هناك بعض «المغفّين» والذين لا يدعونك تضع ردّاً لعالم أو مفكّر لدحض شبهات أولئك المُهاجِمين إلا وأفنى أيامه بحثاً عن تغريدة لذلك المفكر قبل سنوات وسنوات ينقم عليه موقفاً ما، ويجعلها سبباً لرد كل ما يقوله من حق، حتى لو كان دفاعاً عن دينه وعُدِمَ البديل!

نحن في موقف شبيه بموقف بغداد والمغول يحيطون بها، ولومي وعتبي هنا على علماء الأمّة ومشايخها، فعندما أجد سيلاً جارفاً يملأ الفضاء الافتراضي بفيديوهات تشكيكية وطاعنة في القرآن والسنة ومروّجة لكل شُبهة أخذها مدعوها من أسيادهم مستشرقي الغرب، لا أجد في المقابل إلا طرحاً مكرراً لمواضيع فقهية معتادة، وهي وإن كانت مهمة ولكن سواها - في هذا الوقت - أكثر أهمية منها، فالمعركة الحالية ليست معركة تفضيل فعل أو ترجيح رأي، ولكنها معركة وجود تستهدف استئصال الإسلام من جذوره أو تمييع كل ثوابته على الأقل!

يقول الإمام الشافعيُّ: «لولا المحابرُ لخطبتِ الزنادقة على المنابِر»، والزنادقة حالياً تسنّمت آلاف المنابر، ويتكاثر حولهم الأتباع يوماً إثر يوم، فما عُذر علماء الأمة في تجاهلهم لتلك المنصات التي تبث سمومها ليل نهار ولا تجد كفؤاً ينسف أباطيلها ويدحض شبهاتها ويفكّك زيفها، متى سيكون الرد عليهم فرضاً إنْ لم يكن الآن، فحصن الإسلام يُهاجم بضراوة ويحتاج من يدافع عنه لا من يكتفي بتنسيق الزهور داخله!

طباعة Email