الشماعة المريحة

ت + ت - الحجم الطبيعي

كان يعتقد البريطانيون في الحرب العالمية أن حدة بصر جنود العدو مرتبطة بتناولهم لكميات من الجزر. فقد اشتهرت هذه الثمرة بأنها «تقوي النظر». ثم اكتشفوا لاحقاً أن كل ما في الأمر أن «العدو» قد طور نظام رادار متقدم جداً، يحدد الأهداف بدقة متناهية.

قبل أيام نشرت صحيفة «البيان» خبراً على صفحتها الأخيرة للدكتورة مارغريتا أرزومانيان، خبيرة التغذية الروسية، مفاده أنه «لا يمكن استعادة حدة الرؤية بمساعدة الجزر» بعبارة أخرى أشارت إلى أن تناول كميات كبيرة لا يحسن الرؤية. وبغض النظر عن دقة المعلومة نبقى أمام معضلة شائعة ما زالت حتى يومنا هذا وهي «شماعة تعليق مشكلاتنا أو قصورنا في فهم الواقع على آخرين» أو أسباب أخرى تريحنا من عناء البحث عن حلول.

الشماعة أو المِشْجب الذي نعلق عليه ملابسنا («العلاق»)، هو أمر موجود في ثقافات عدة. وكلما ارتفع منسوب الجهل، مال المرء نحو فكرة الشماعة ليعلق عليها تفسيرات يجهلها. فهي بالفعل مريحة وقابلة للتصديق، خصوصاً عندما نعلق أمراً بديهياً على أمر مبهم أو قوة خارقة يصعب التوصل إلى حقيقتها. ولذلك نرى في ثقافات الشعوب قديماً الكثير من الظواهر التي تعلق على الجن أو الكائنات الفضائية وما شابه ليريح الناس أنفسهم من عناء البحث عن حقيقة دامغة أو كلام موضوعي. في الكويت نخيف أطفالنا قديماً «بحمارة القايلة» وهي حيوان غير موجود سوى في أذهان الكويتيين الذين يحاولون إقناع أطفالهم بخطورة الخروج تحت أشعة الشمس الحارقة أو في أوقات القيلولة. وفي أوروبا كذلك كثرت ظاهرة الشماعة عندما غاب العلم في العصور الوسطى قبل أن تتدفق العلوم إلى شتى مناحي الحياة.

عندما يقصر مسؤول أو تاجر في عمله فإنه يعلق أسباب ذلك على أداء المنافسين أو غياب الدعم الحقيقي داخلياً أو خارجياً، وينسى أو يتناسى أن بوسعه البحث عن طرق بديلة. ومن عجائب خلق الله تعالى، ما أخبرني به جراح كويتي ماهر في علم الأعصاب عندما قال إن عصب الإنسان إذا ما وجد طريقاً مسدوداً فإنه يحاول جهده البحث عن طريق آخر. باختصار لا يستسلم. (انتهى كلامه). والمفارقة أن الإنسان بما حباه الله من عقل وبصيرة يتفوق بها على سائر المخلوقات فإنه سرعان ما يستسلم. وليته استسلم وسكت، بل يحاول إذاعة قصوره للجميع بتعليقها على أسباب وهمية أو تافهة.

المحك الحقيقي في هذه الحياة، كيف تخرج من ركام المآسي والإحباطات إلى رحاب التألق والنجاح. اليابان عبارة عن جزر متناثرة لا يكاد يهدأ بركان حتى ينفجر آخر، ولا يكاد يسكن زلزال حتى يرج الأرض رجاً زلزال آخر، لكنها نهضت من حطام أول قنبلة ذرية ألقيت على بشر في العالم، لتضع نفسها في مصاف أكثر الدول تقدماً. كان الياباني العسكري شخصية يهابها جيرانها من الدول المحيطة من شدة عنفها ثم تحول إلى مضرب للمثل في الخلق النبيل، وأبعد نفسه عن بؤر الصراعات. اليابان طوت صفحة تعليق أخطائها على شماعة الآخرين، وعكفت على تطوير عقول كوادرها فصارت بحق قصة نجاح. وهو أمر متاح للجميع متى ما كانت هناك رغبة حقيقية.

طباعة Email