هدية استثنائية لفيلسوف كندي يدعى دونو

ت + ت - الحجم الطبيعي

سمّاها المتخصصون بالكتب الأكثر مبيعاً في السوق الغربية، إنها الهدية الأكثر استثنائية وتفرداً من حيث المحتوى، في مجال تأليف الكتب الفكرية، التي قدّمها إلى العالم الفيلسوف الكندي (ألان دونو)، وهي كتاب من تأليفه، وحمل عنواناً استفزازياً نوعاً ما، هو (نظام التفاهة - La medioratie )، وحمل أيضاً موضوعاً جريئاً أحدث سجالاً حاداً، وضجة على مستوى العالم، فما الذي يريد أن يخلص إليه هذا الكتاب؟

في الواقع أنه يقدم حقائق صادمة، ليس فقط تحذيره البشر الذين عليهم أن يدركوا كما يقول (إن التافهين حسموا المعركة في العالم لصالحهم، باتوا يمسكون الآن بمواقع مهمة)، بل يعطي نصائح فجة لأناس هذا العصر بلا استثناء قائلاً (لا لزوم لهذه الكتب المعقدة. لا تكن فخوراً ولا روحانياً، فهذا يظهرك متكبراً. لا تقدم أي فكرة جيدة فستكون عرضة للنقد. لا تحمِل نظرة ثاقبة، وسع مقلتيك، أرخِ شفتيك، فكّر بميوعة. عليك أن تكون قابلاً للتعليب).

وتعود بداية القصة التي أخرجت أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية ألان دونو عن طوره، ليكتب (إن جذور التفاهة ولدت في الفترة من (1979-1990)، يوم جاء التكنوقراط إلى الحكم فـاستبدلوا السياسة بمفهوم (الحوكمة)، واستبدلوا الإرادة الشعبية بمفهوم (المقبولية الاجتماعية)، والمواطن بمقولة (الشريك)، ليصير في النهاية الشأن العام تقنية (إدارة) لا منظومة قيم ومثل ومبادئ ومفاهيم عُليا، ولتصبح الدول مجرد شركة خاصة، ولتصبح المصلحة العامة مفهوماً مغلوطاً لمجموعة مصالح يحتكرها أفراد، وليغدو السياسي صورة سطحية للناشط اللوبي، الذي يعمل لمصلحة زمرته). 

حسناً، لو افترضنا جدلاً أنه وجد من قد يتفق مع دونو فيما ذهب إليه، كله أو بعضه، فهل هذا كل ما عنده أم أن ما زال في الجعبة الكثير؟ يقول ألان دونو في موقع آخر من كتابه، إن هنالك سبباً آخر غير الذي ذكره، جعل التفاهة تتربع على عرش العصر، هو مفهوم العمل في المجتمعات البشرية. يقول (إن المهنة صارت وظيفة، شاغلها يتعامل معها كوسيلة للبقاء لا غير، فهو يمكن أن يعمل عشر ساعات يومياً على وضع قطعة في سيارة، لكنه لا يجيد إصلاح عطل بسيط في سيارته، ويمكنه أن ينتج غذاءً لا يقدر على شرائه، أو يمكنه بيع كتب ومجلات لا يقرأ منها سطراً. انحدر مفهوم العمل ليصير مجرد أنماط، شيء ما من رؤية (شارلي شابلن) - وهذه إشارة إلى العمل السينمائي (الأزمنة الحديثة) للفنان شارلي شابلن، وانطلاقاً من هذين العاملين الحوكمة ومفهوم العمل المغلوط، يقول دونو: «بعد تنميط العمل وتسليعه وتشييئه، وتفريغ السياسة والشأن العام، صارت التفاهة نظاماً كاملاً على مستوى العالم، وصارت قاعدة النجاح فيها أن (تلعب اللعبة) وهذه قاعدة غير مكتوبة، ولا نص لها، لكن الجميع يعرفها هي: انتماءٌ أعمى إلى جسم ما، يقوم على شكليات السهرات، والغداءات، والانتقامات، ليصبح بعدها الجسم فاسداً، وينسى علة وجودة ومبادئ تأسيسه، ولماذا وجد أصلاً؟ ولأية أهداف؟» ويضيف ألان دونو: «إن أفضل تجسيد لنظام التفاهة - التي تسيطر على عالمنا اليوم وفقاً لرأيه - هي صورة (الخبير) المستعد لبيع عقله لمستخدمه، في مقابل (المثقف) الذي يحمل الالتزام تجاه القيم والمثل».

ولا تنجو جامعات اليوم من فلسفته الواقعية، فله فيها رأي، يقول: «إن جامعات اليوم، تلك التي تمولها الشركات، صارت مصنعاً للخبراء لا للمثقفين، حتى إن رئيس جامعة كبرى قال مرة: على العقول أن تتناسب مع حاجات الشركات. لا مكان للعقل النقدي ولا لحسِهِ، أو كما قال لي رئيس إحدى الشبكات الإعلامية الغربية، إن وظيفته هي أن يبيع للمعلن، الجزء المتوفر من عقول مشاهديه المستهلكين. كل شيء صار لإرضاء حاجات السوق».

عند تأمل بعض محتوى الكتاب للفيلسوف دونو، هل هنالك تشارك لما يلمسه المرء بين جرعة غضب المؤلف، في مقابل الظواهر والصرعات التي تخرج علينا بين الحين والآخر، غامضة لا تعرف لها مصدراً أو مرجعاً؟ 

طباعة Email