أوكرانيا والإعمار.. استعادة للماضي أم دولة جديدة

ت + ت - الحجم الطبيعي

أثناء مداخلته أمام مؤتمر لوجانو لإعادة إعمار أوكرانيا، الذي رعته الحكومة السويسرية في مستهل يوليو الماضي، قدر الرئيس الأوكراني زيلينسكي تكلفة هذه العملية الشاقة بنحو 750 مليار دولار. ومن جانبه استصغر فيرنر هوير، مدير فرع الاستثمار في الاتحاد الأوروبي، هذا الرقم، وذهب إلى أن إصلاح أضرار العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا قد يحتاج إلى تريليون يورو.

في قادم الأيام، سوف تشهد الفضاءات الأوكرانية والأوروبية والدولية مزيداً من الاجتهادات المتباينة حول هذه القضية. وسيكون ذلك أمراً طبيعياً ومفهوماً نظراً لأننا بصدد حرب مازالت قائمة على سوقها، ومن الصعوبة بمكان توقع حجم الدمار الذي ستخلفه حين تضع أوزارها.

العبرة هنا أنه طالما استمر أوار الحرب مشتعلاً، ستظل لدى المنشغلين بقضية الإعمار وحيثياته، وهي من أبرز قضايا ما بعد الحرب، مساحة غير محددة للتكهن والتخمين.

وداخل هذه المساحة، سوف يتأثر استطلاع حدود الأعباء المادية للقضية بالجدل حول نوع الإصلاح المطلوب، هل هو مجرد ترميم أو إعادة بناء حرفي لما تعرض للدمار بمواصفاته السابقة، أم يتخطى إلى تجاوز القديم المنهار، والتوجه لإنشاء طرز بديلة وفقاً لمنظورات مغايرة مستجدة؟

من مطالعة الأفكار العامة التي طرحت بالخصوص، كالتي تم غشيانها في لوجانو، نفهم أن القوم ميالون للأخذ بالخيار الأخير.

ومن ذلك اعتمادهم لمفهوم «الإعمار القائم على الإصلاح» الذي ابتكرته سيفينيا شولتسه وزيرة التنمية في الحكومة الألمانية.. وخلاصته «مراعاة الإعمار المطلوب لمقتضيات الإدارة الحديثة وتطبيق القانون ومكافحة الفساد، وتأسيس بنية تحتية راسخة ومستدامة، واقتصاد قوي قادر على مواجهة الأزمات، بمشاركة من مجتمع مدني نشيط وصوت للمرأة وإعلام حر وكافة مستويات الإدارة وصولاً إلى الدوائر البلدية والمحلية. وتنفيذ مشروعات تتوافق مع الأهداف المناخية والرقمية الأوروبية».

إذا ما مضى السادة «الإعماريون» إلى تطبيق هذا المفهوم، فسوف نكون إزاء عملية تغيير شاملة ومزدوجة في أحشاء الدولة الأوكرانية، قوامها تحقيق الإعمار مع مراعاة الشروط المثالية للالتحاق بمنظومة الاتحاد الأوروبي.

وهذه لعمرك غاية لا تدرك إلا بجهد جبار لجهة الوقت والنفقات والمداخلات الخارجية من قبل هذه المنظومة، فضلاً عن ضرورة التجاوب والسيطرة السياسية من جانب النخب الأوكرانية العاطفة على التوجه الاتحادي.

ويبدو أن السيدة شولتسه، وأتباعها الكثر، على دراية كافية بهذه المحددات، إذ ردفت رؤيتها بالقول «نحن بصدد مهمة هائلة، سوف تدوم لعشرات السنين، وتكلف مليارات اليورو»..

ضمن إجاباتهم عن مصادر التمويل الفلكي المطلوب لهذه النقلة النوعية التاريخية، نرى المسؤولين الأوكرانيين يتطلعون للمنح والهبات والقروض الميسرة والاستثمارات من المنظمات الدولية والدول الشريكة.. وهذا رجاء مشروع ومحتمل الإنجاز.. لكنهم يتحدثون أيضاً عن توظيف الأصول الروسية المجمدة بالعقوبات بعد مصادرتها، والتي تراوح بين 300 و500 مليار دولار.

ونظن أن هذا الحديث ينطوي على استسهال كبير، لأن موسكو قد لا تقصر في التعاطي معه بالرفض الخشن، وربما أسهم في نشوء تعقيدات إضافية أمام تسوية الأزمة الأوكرانية برمتها، وليس فقط قضية الإعمار العتيدة.

وعموماً يصح الاعتقاد بأن روسيا ليست طرفاً محايداً أو غير معني بمسار هذه القضية، لاسيما إن اقترنت بطموحات تغيير موضع أوكرانيا ومكانتها على الخريطة الجيواستراتيجية الأوروبية بالجوار...

في كل الأحوال، تظل النقاشات والمناظرات الموصولة بالأبعاد المادية لإعادة تأهيل الدولة الأوكرانية، أمراً قابلاً للحسابات النظرية الجافة، وإن كانت قليلة الدقة طالما لم تسكت المدافع.

ويمكن الاعتماد في ذلك على ما تزخر به سيرة العلاقات الدولية من تجارب وسوابق في هذا الباب، دون إهدار خصوصية هذه الحالة. غير أن المتناظرين يحسنون صنعاً إن هم التفتوا، وأولوا عناية مضافة، للتعامل مع الأبعاد والنتائج غير المنظورة، التي تصعب معاينتها وملامستها في إطار مساعيهم الحميدة.

فهذه الحرب، شأن كل الحروب الدامية، لم تنل فقط من هياكل الأبنية والمنشآت ونحو ذلك من مظاهر العمران، ولكنها أيضاً كسرت قلوباً وأوجعت ذاكرات وذكريات وتصورات، وزلزلت أنماط حياة وعلائق تدور في أفلاك الهوية والثقافة والرؤى للذات وللآخرين، ونحو ذلك مما لا يسهل ترسيمه بيانياً..

القصد بإيجاز بالغ، أن مهمة تشييد العمران المادي على أي نمط كان، تبقى أهون بكثير من التعرف على، ثم معالجة، ما أفسدته الحرب في مكنونات النفوس والضمائر والقناعات ومفردات الاجتماع الإنساني.

 

 

طباعة Email