معارضة الاستفتاء في تونس.. «رب ضارة نافعة»

ت + ت - الحجم الطبيعي

بدا من الواضح أن نتائج الاستفتاء حول الدستور التونسي الذي صادق عليه التونسيون بـ:94.6 في المئة لم تكن لترضي معارضة حزبية تقودها حركة النهضة الإخوانية وبعض أتباعها في هذه المرحلة، وهي معارضة فشلت في تعبئة الرأي العام ضد الرئيس التونسي قيس سعيد بسبب خطابها السياسي ومواقفها التي تستمد وجودها فقط من دعم خارجي لا تزال تحركه عقدة «التفوق»، والذي لا يرى غضاضة في إعطاء الدروس حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وتسيير الشأن العام الداخلي للدول بغض النظر عن موانع القانون والعرف الدوليين.

وقد وصلت هذه المعارضة التي تدور في فلك «النهضة الإخوانية» حداً يبعث على الارتياب وخصوصاً حول مدى التزامها بمقتضيات الأخلاق والقانون والمصلحة الوطنية خصوصاً بعد مطالبة بعضها صندوق النقد الدولي بتعليق القروض إلى حين تمكينهم مجدداً من الحُكْمِ وإسقاط الرئيس قيس سعيد أو صرف النظر تماماً عن هذه المساعدات إذا فشل مشروعهم السياسي في الانقلاب على المسار التصحيحي ليوم 25 يوليو «جويلية» 2021، استلهاماً على الأرجح لقول أبي فراس الحمداني..«إذا مِتُ ظَمْآناً فَلا نَزَلَ القَطْرُ!».

وتعلل هذه المعارضات رفضها نتائج الاستفتاء بكون نسبة المقاطعين للاستفتاء فاقت 70 في المئة من المسجلين، وهو رقم يحتوي على مغالطة كبرى، لأنه لا يأخذ في الاعتبار نسبة العزوف عن العملية الانتخابية والتي تفوق الـ 50 في المئة، وقد حاولت هذه المعارضات إقناع داعميها في «الغرب الديمقراطي» بأن كل من لم يشارك في الاستفتاء هو معارض لمسار قيس سعيد وهذا شكل من «التحايل السياسي» مثلما أعلن ذلك أحد العارفين بخبايا المشهد السياسي التونسي، هي معارضة «نجحت» بامتياز على مدى السنوات في توسيع الهوة خطاباً وممارسة بينها والمجتمع التونسي، ومعلوم أن نسبة المقاطعة الفعلية لا تتجاوز 21 في المئة بينها أكثر من الثلثين من أنصار الحزب الدستوري الحر.

وقد وجدت هذه المعارضة الإخوانية في مواقف بعض الدول متكأً وملاذاً، إذْ انطلت على بعض هذه الدول المغالطات واتخذت لذلك مواقف يُجمع الوطنيون التونسيون على أنها تدخل سافر في الشأن الداخلي، ما دفع الخارجية التونسية إلى استدعاء القائمة بالأعمال الأمريكية للاحتجاج على تصريحات سفيرها المعين التي أعلن فيها عن خارطة طريق سيحملها في حقيبته وسيتم فرضها على تونس والتونسيين.

ويبدو أن الجانب الأمريكي وأطرافاً دولية أخرى لم يفهموا بعد الدرس المصري الذي جسد ملحمة شَعْبٍ رفَض «الإخوان» وأزاحهم عن الحُكْمِ، رغم الدعم المباشر الذي قُدم لهم وهو درس أعاده على المسامع الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال قمة جدة الأخيرة، بتأكيده على أن «الشرط الأساسي للتعاون بين الدول هو احترام سيادتها وعدم التدخل في شؤونها الداخلية وفي خياراتها»، خصوصاً وأن سجلات هذه الدول الراغبة دوماً في إعطاء الدروس لدولنا حول المدنية والديمقراطية وحقوق الإنسان غير نقية في هذه المجالات.

ويبدو أن هذه «الديمقراطيات» لم تستوعب بعد التغييرات العميقة في المنطقة العربية التي شهدت قدوم قيادات شابة في أغلبها ومتشبعة بقيم الحداثة والديمقراطية وفي الوقت نفسه مستوعبة لخصوصيات مجتمعاتها الحضارية والسياسية والقيمية.

وقد كان الأمل يحدو المعارضة الإخوانية أن تبقى روايتهم حول الاستفتاء التي يروجون لها «ابتغاء مرضاة» الغرب ودعمهم، قائمة وطاغية إلا أن موقفيْ الاتحاد العام التونسي للشغل (اتحاد العمال) السبت الماضي وكذلك الموقف البراغماتي التي عبرت عنه رئيسة الحزب الدستوري الحر عبير موسي جاءا ليضعا حداً نهائياً لمغالطات المعارضة الإخوانية وحلفائها.

فقد كرر الاتحاد العام التونسي للشغل في بيان له «إدانته الشديدة لتصريحات مسؤولي بعض الدول بخصوص الوضع في تونس»، وندد «بالتدخل السافر» في شؤونها الداخلية وشجب عملية الدفع بتونس إلى مربع تنازع الشرعيات الذي ضيّع «السيادة الوطنية عبر الاصطفاف وراء الأحلاف والخضوع لتعليمات الدول»، والموقف ذاته من المس من سيادة تونس عبرت عنه أهم منظمات المجتمع المدني الأخرى.

وفي السياق ذاته عبرت عبير موسي عن إمكانية التقارب مع الرئيس التونسي شريطة القطيعة الفعلية مع جماعات «الإسلام السياسي»، كما نأت بنفسها عن المعارضات الأخرى «المتمسحة على أعتاب السفارات» رافضة أجندة «الإخوان» بفرض منطق تنازع الشرعيات.

وإن هذه التطورات تدفع إلى القول إن تحالفاً موضوعياً بين الرئيس التونسي واتحاد العمال والدستوري الحر قد يكون ممكناً وبصدد التشكل شريطة أن يعي الرئيس دقة المرحلة ومتطلباتها، كي لا تضيع مجدداً «الفرصة التاريخية لإصلاح الأوضاع ومعالجة آثار حقبات متعاقبة من الانفراد بالرأي والتخبط والتمييز والحيف الاجتماعي» بحسب بيان اتحاد الشغل وحتى تكون موجة الرفض الغبي لمسار التصحيح معزولة ومن باب الضرر الذي قد ينفع.

 

طباعة Email