عودة «اليورانيوم» إلى واجهة الأجندة عالمياً

ت + ت - الحجم الطبيعي

في اللقاءات الثنائية بين رؤساء الدول أو تلك التي تجري في المحافل الدولية لم تعد القضايا ذات الطابع السياسي والاقتصادي المحض هي من تتسيد أجندة الحوار.

بل قضايا أخرى أكثر أهمية تتعلق بأمن الدول والتهديدات التي تتعرض لها على الأمدين القريب والبعيد وآفاق حيازة أسباب القوة لانتزاع مواقع التفوق العسكري، وبالتالي السيادي على المستوى الإقليمي. جميع الموارد الطبيعية، عناصر ومركبات، ذات أهمية حيوية للإنسان وللكائنات الحية الأخرى بدرجات متفاوتة، هذه الموارد لا تتوافر بشكل منتظم على سطح الأرض وهو ما خلق تبايناً في الثراء بين بقعة وأخرى، سمحت لبلد أن يتطور أكثر من بلد آخر إن كان ساكنوه ممن اعتمدوا الأساليب العلمية في التعامل مع موارده الطبيعية.

ورغم أن ما هو ضروري لديمومة الحياة هو الأكثر أهمية على الإطلاق إلا أن تعاظم متطلبات الحياة قد سلطت الأضواء على الأهمية الاستثنائية لصخور جرداء تقبع هنا أو هناك لم تلق اهتماماً من أحد عبر التاريخ، هذه الصخور تحتوي على العنصر الذي أصبح الأكثر أهمية في العالم، ووضعت المنظمات الدولية قواعد واتفاقيات خاصة حول شروط حيازته وعن مستويات التعامل معه، وعن حجم ما يُسمح باختزانه وحول شروط الإفصاح عن كل ما يتعلق بذلك إلى منظمات دولية متخصصة، هذا العنصر هو «اليورانيوم» العنصر الثاني والتسعون في الجدول الدوري.

أهمية اليورانيوم لا تقتصر على كونه الوقود في المفاعلات النووية التي يبلغ عددها 443 مفاعلاً قيد التشغيل في 29 بلداً لإنتاج 14في المئة من الطاقة الكهربائية في العالم ولا الوقود في المفاعلات التي تحتاجها الناقلات البحرية العملاقة وحاملات الطائرات والغواصات في أعالي البحار.

فهو من جانب آخر العنصر الأكثر قدرة على التدمير سواء باستخدام أحد نظائره «اليورانيوم 235» كما حصل في هيروشيما أم استخدام أحد العناصر التي تستخلص منه «البلوتونيوم 239» كما حدث في ناكازاكي في السادس وفي التاسع على التوالي من أغسطس 1945.

اليورانيوم له استخدامات أخرى في مفاعلات البحث العلمي منخفضة القدرة، فهناك أكثر من 200 مفاعل نووي خاص لأغراض البحث ولإنتاج نظائر مشعة للاستخدامات الطبية والصناعية.

العلاقات مع الشركات التي تتعامل مع عنصر اليورانيوم في أي مرحلة من مراحل تداوله بدءاً بالتنقيب وانتهاءً بالتخصيب ليست علاقات ذات طبيعة تجارية، وإن بدت أحياناً كذلك، قدر ما هي علاقات ذات طابع سياسي أمني وذلك لأهمية هذا العنصر في التوازنات العسكرية والسياسية القائمة والمتوقعة.

فقد لعب اليورانيوم دوراً بارزاً في السياسة العالمية، فمنذ بدأت الحرب الباردة أصبح سباق التسلح بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي يتمحور حول الحصول على السلاح النووي بكميات أكبر وامتلاك القدرة على إيصاله إلى الأهداف المرسومة.

عودة اليورانيوم إلى واجهة الأحداث من جديد ترتبط بتعاظم الإعاقات التي تواجهها كل من واشنطن وطهران في محادثاتهما حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني الذي بدأ يشكل قلقاً إقليمياً ودولياً يتصاعد باستمرار منذ العام 2003.

التوصل إلى اتفاقية الخمسة زائد واحد مع إيران عام 2015 إبان حكم الديمقراطيين لم يحظ برضا الجمهوريين الذين عمدوا إلى إسقاطها عام 2018. ومنذ ذلك الحين يتضاعف القلق من التقدم الذي تحرزه إيران في هذا المضمار في ضوء تعثر مفاوضات استعادة العمل بتلك الاتفاقية مع عودة الديمقراطيين عام 2020.

إلا أن الحرب الروسية الأوكرانية أضافت بعداً جديداً لأزمة اليورانيوم في سياق فرض العقوبات على روسيا، فالمقاطعة لم تُفرض على صادرات اليورانيوم الروسي إلى دول الاتحاد الأوروبي. فمع كثرة الحديث في هذه الدول عن حظر النفط والغاز الروسي إلا أن هناك سكوتاً حول اليورانيوم المخصب، فهناك هاجس يقلق أوساطها السياسية على أعلى المستويات وتخوفاً من الذهاب إلى ذلك.

شركة روساتوم عملاق الصناعات النووية الروسية تنتج تقريباً 35 في المئة من اليورانيوم المخصب بالعالم، وتبلغ صادراتها للاتحاد الأوروبي 40 في المئة من حاجيات دوله لهذا اليورانيوم لمفاعلاتها التي يبلغ عددها 18 مفاعلاً في خمسة من دوله مما يجعل بعضها في مواجهة صعوبات بالغة لإيجاد بدائل، لذلك في حال شمول اليورانيوم الروسي بالمقاطعة سواء أكان ذلك بقرار أوروبي أم بقرار روسي.

 

طباعة Email