لماذا لافروف في أفريقيا؟

ت + ت - الحجم الطبيعي

السؤال أعلاه هو الذي يشغل المتابعين والمراقبين حول جولة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الأفريقية، واحد من المسؤولين الذين يحملون نفس فكر الرئيس فلاديمير بوتين في ناحية استعادة المكانة العالمية لروسيا.

التوقيت الذي جاءت فيه الزيارة، وهو الذي جعل منها زيارة مهمة. فإذا فهمنا أن أفريقيا باتت محل تنافس دولي بين كل الطامحين لدور دولي جديد من دول كبرى وإقليمية بما فيها تركيا، وغيرها على سبيل المثال، فإن الجولة التي دشنها لافروف بالبوابة الأفريقية والعربية من مصر تشير إلى أن روسيا بدأت تعيد رسم دورها العالمي.

مسألة طمأنة الدول الأفريقية التي زارها (مصر وإثيوبيا وأوغندا والكونغو) بشأن وصول الحبوب والمواد الغذائية، حيث العالم كله يعاني، هي ورقة دبلوماسية تسيل لها لعاب دول العالم الأخرى.

وبالتالي فهي توظف أداة مهمة في تحركها الجديد، كما أنها تدرك تأثيرها على تقريب وجهات النظر معها، لذا علينا ألا نستغرب حالة الهجوم الإعلامي الغربي لهذه الجولة، وكذلك علينا تفهم الترحيب الإعلامي العربي.

لكل زيارة أهداف واضحة وأخرى كامنة، فلو اعتبرنا أن الهدف الأساسي للجولة هو شرح ومناقشة وجهة النظر الروسية في الأزمة مع أوكرانيا، فإننا لا نجافي الحقيقة، لكن ليس هذا كل ما في الأمر، بل علينا ألا نركز على هذا البعد فقط، فتعزيز العلاقات في منطقة ليس ضمن نفوذها التقليدي يكون بمثابة تعد على الاستراتيجية الأمريكية أو الغربية بمعنى أدق.

كما أن هذه الجولة تسهم في تعزيز العلاقات الروسية الأفريقية من جانب آخر، كأن موسكو تقدم الشكر للدول الأفريقية على عدم وقوفها مع الغرب في فرض أو المشاركة أو حتى تأييد العقوبات عليها. وقد أثنى لافروف في مقالته بدول القارة الأفريقية على موقفها مما وصفه بمحاولات الغرب فرض نظام عالمي أحادي القطب، وذلك رغم الضغوط الغربية عليها.

لافروف من الشخصيات التي تتميز بمعرفة واطلاع كبيرين، خاصة بما اكتسبه من خبرة ومعرفة واحتكاك مع ممثلي الدول خلال فترة عمله في الأمم المتحدة كممثل دائم لروسيا، بالإضافة إلى أنه صاحب شخصية ذكية وقوية.

لذا حاول في تصريحاته الموجهة للأفارقة بمخاطبة الشخصية والعاطفة الأفريقية من حيث تذكيرهم بالمآسي والآلام التي لا تزال تعاني منها الشعوب الأفريقية بسبب الاستعمار الغربي للقارة الأفريقية، والاستغلال الغربي المستمر حتى اليوم، وأن روسيا (منذ عهد الاتحاد السوفييتي) كان لها دور في دعم استقلال الدول وتقرير مصيرها.

بدأ لافروف جولته بلقاء الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، حيث تعد مصر الشريك الرئيسي لروسيا في القارة الأفريقية، ومن أهم الشركاء في منطقة الشرق الأوسط، وتربطهما معاً علاقات تاريخية منذ عهد السوفييت، وتربطها اليوم علاقات استراتيجية واقتصادية مهمة، حيث تشير الأرقام والإحصائيات إلى زيادة حجم التبادل التجاري منذ العام 2014.

وتمثل السياحة الروسية 25 في المئة من إجمالي السياحة الأجنبية في مصر، كما أن مصر من أكبر مستوردي القمح في العالم، حيث استوردت 80 في المئة من قمحها من روسيا وأوكرانيا العام الماضي، كما أن التبادل التجاري وصل لمعدل زيادة 5 في المئة مقارنة للعام الماضي، أي إنه وصل لحوالي 4 مليارات دولار.

بزيارة مصر كأن موسكو ضربت عصفورين بحجر، وربما ثلاثة عصافير، حيث إن مصر وبالإضافة إلى موقعها الأفريقي فهي دولة عربية مهمة وفاعلة؛ لذا استغل لافروف زيارته إلى مصر لمخاطبة الدول العربية من خلال اللقاء مع مندوبي الدول العربية في جامعة الدول العربية، وأرسل لهم رسائل مشابهة لرسائله للقارة الأفريقية.

كما أن زيارته مصر كأنها رسالة للرئيس الأمريكي بايدن أننا متواجدون في المنطقة، بل ونعزز ونقوي علاقاتنا وتواجدنا باتفاقيات ومشاريع وتحالفات سياسية واقتصادية وتقنية وعسكرية.

وبالعودة إلى قارة المستقبل (أفريقيا)، فإن روسيا تعلم الأهمية الكبيرة لمستقبل القارة الأفريقية، وسينشط التنافس الدولي على التواجد في أفريقيا، كأن أفريقيا أصبحت قارة الأحلام.

فهي لا تزال قارة بكراً من حيث ما تملكه من موارد وثروات، وما زالت بحاجة للتطوير والبنى التحتية، وهذا ما يجعل الدول الغنية والطموحة تتجه للاستثمار فيها، وتشير التوقعات إلى أن سكان القارة الأفريقية سيصلون لأكثر من 2.5 مليار نسمة في العام 2050.

* كاتب ومحلل سياسي

 

طباعة Email