الكثير من الاقتصاد في الزيارات المتبادلة

ت + ت - الحجم الطبيعي

في ظل الحراك السياسي الذي تعيشه المنطقة تشير كثافة الزيارات بين قادة دول المنطقة إلى حتمية تغيير قادم في المنطقة. الكل في العالم يترقب زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن المرتقبة في منتصف هذا الشهر والذي سيلتقي فيه قادة دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة لكل من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والعاهل الأردني الملك عبد الله الثاني ورئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، وهناك عدد من المتابعين والمحللين السياسيين فسروا أن الزيارات التبادلية (الإقليمية) تأتي استعداداً لذلك اللقاء.

لن تفوت دول المنطقة فرصة تعزيز حضورها، فقد أصبح لها دورها المؤثر والفاعل في قضايا الإقليم والعالم وأدركت في الوقت نفسه أنه لا يمكن حل أزمات المنطقة دون الرجوع إليها أو المطالبة بأن تشارك فيها. قد يكون الملف النووي أحد الأمثلة الحية لما نقوله وغيرها من الملفات ذات الطابع الحساس، وهذا الدور الفاعل والمؤثر لم يأت لولا وجود قيادات عربية قوية؛ صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، والرئيس المصري عبدالفتاح السيسي وغيرهم من القيادات التي عملت على توحيد الصفوف وبناء رؤية موحدة تراعي مصالح شعوب المنطقة القائمة على التعاون والتنسيق والتشاور.

لكل تحرك دبلوماسي وجهان، وعادة ما يتمثل الوجه الأول في طمأنة للبعض، كون الزيارات تأتي بعد فترة من الشد السياسي مع تسريع وتيرة المفاوضات مع إيران إلى أن تم تجميدها بسبب خلافات أمريكية إيرانية. الوجه الثاني للزيارات: مقلق وتحديداً لإيران التي تنظر لأي تحرك خليجي أمريكي بأنه موجه ضدها مع أن الواقع في التحركات الخليجية يقول غير ذلك على مدى التاريخ لأنها دول باحثة عن الاستقرار وتعمل من أجله. فهي تعمل على تهدئة الأوضاع وتغليب الحكمة في التعامل والعلاقات السياسية وتقديم المصالح وعلى رأسها المصالح الاقتصادية والتنموية التي تعود بفائدة مباشرة على الدول والشعوب بالإضافة إلى أنها عامل مهم من عوامل الاستقرار السياسي، ومن هذا المنطلق تنطلق دول المنطقة لمراجعة وتقييم الوضع الراهن والاستفادة من تجارب الماضي ونتائجها والعمل على تهيئة الأجواء والظروف السياسية والأمنية إضافة إلى إصدار وتطوير القوانين والتشريعات التي توفر بيئة جاذبة وصالحة للنمو والنشاط الاقتصادي.

تغيرات كثيرة حصلت في المنطقة خلال فترة العام والنصف الماضية كلها تقريباً تصب ناحية التركيز على التهدئة العامة في المنطقة بعيداً عن الرغبات الأمريكية، فدولة الإمارات على سبيل المثال أعلنت استراتيجيتها القادمة بالتركيز على الاقتصاد والتنمية، والمملكة العربية السعودية دشنت مشروعات اقتصادية كبيرة وبنت علاقات مع دول الجوار بما تصب في الجوانب التجارية. الأمر كذلك بالنسبة لسلطنة عمان وجمهورية مصر العربية التي زار رئيسها منذ أيام مسقط في مساعيه لاستقطاب الاستثمارات إلى بلاده.

من خلال المتابعة اليومية للزيارات تظهر لنا النتائج جدية قادة دول المنطقة على التعاون والتفاهم وحرصهم لبناء مستقبل أفضل للمنطقة وشعوبها مع التركيز على التعاون مع القوى العظمى كالولايات المتحدة والدول الإقليمية مثل الهند كشركاء استراتيجيين، لهم مصالح ولنا مصالح لا بد أن تراعى وتؤخذ في الحسبان. وإذا كانت زيارة الرئيس الأمريكي لها أسبابها ودلالاتها، فمن أسبابها بالنسبة للإدارة الأمريكية الأوضاع والأحداث العالمية بدءاً من الحرب الروسية الأوكرانية وآثارها السلبية على العالم وعلى رأسها إمدادات الطاقة وأسعارها والتي تحظى باهتمام وأولوية قصوى لدى الإدارة الأمريكية، وهناك أزمة الغذاء وعلى رأسها صادرات القمح خاصة أن العالم متخوف من أزمة غذاء عالمية قادمة، فإن بروز قوى عالمية أخرى كالصين وقوى إقليمية كالهند تعطي بعداً آخر للزيارة ألا وهو الرغبة الأمريكية في الحفاظ على علاقاتها بدول المنطقة.

اعتدنا في قراءة تحركات القادة والزعماء من خلال بعدين إما سياسي وتشكيل تحالف جديد أو القيام بوساطة وإما ذات بعد أمني خاصة في منطقتنا المليئة بالتحديات نظراً لأهميتها في الخارطة الاستراتيجية العالمية إلا أنه في ظل التغيرات الممتدة منذ أكثر من عام تشير المؤشرات إلى أن التنمية والبعد الاقتصادي هما المسيطران الآن أكثر ويفرضان نفسهما على كل التحركات السياسية.

 

* كاتب ومحلل سياسي

طباعة Email