القمة الخليجية - الأمريكية وتقييم العلاقة

ت + ت - الحجم الطبيعي

قرأنا وسمعنا خلال العقدين الماضيين تقييمات وتقارير لا تعد ولا تحصى حول تراجع العلاقة الأمريكية-الخليجية، وعن تحول تركيز الاستراتيجية الأمريكية نحو مناطق أخرى في العالم باتت تمثل أولوية لها، مثل جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية، لكن في كل مرة نرى فيها الرئيس الأمريكي يبدأ في تجهيز خطط الانسحاب من المنطقة نجده يفاجئ المراقبين بخطوة مختلفة، وكأنه يقول إن ما قرأتموه وسمعتموه كان خاطئاً وغير صحيح.

سادت وجهة نظر بالأخص خلال فترة الرئيس الأمريكي جو بايدن، الذي سيزور المنطقة خلال شهر يوليو المقبل، مفادها أن العلاقات الخليجية-الأمريكية تسجل نهايتها، وأن الاعتماد المتبادل بينهما لم يعد موجوداً كما كان، لكن أعتقد أن هذه الزيارة والإعداد المسبق لها يعطي إشارة ليس في ناحية عمق هذه العلاقة، وإنما بأن هناك مشكلة لدى المخططين بقدرتهم على تقييم العلاقة بشكل جيد. قد يحدث خلاف بينهما ينهي العلاقة، لكنه مستبعد في المدى المنظور، لأن العلاقات بين الدول تحركها المصالح، وليست النوايا أو الرغبات.

ومع بداية العام الحالي وخاصة بعد 24 فبراير بدأت روسيا عملية عسكرية في أوكرانيا، لاحظنا بدْء المخططين الاستراتيجيين في جميع مؤسسات صناعة القرار الأمريكي إعادة تقييم مكانة دول مجلس التعاون الخليجي في المنطقة، باعتبارها «رمانة ميزان» منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بأكملها. جاءت وفود سياسية وعسكرية ومستشارون أمريكيون وغربيون للمنطقة، فهذه المنطقة نقطة تنافس القوى الدولية، فروسيا مثلاً تبذل جهوداً كبيرة في وجود موطئ قدم هنا، كما أن الصين التي تتمدد في العالم كله وتحتاج دول المجلس وسيطاً بينها، وباقي دول العالم سواءً في آسيا أو أفريقيا، حيث الأسواق والمواد الأولية.

في ظني أن المخططين الأمريكيين استنتجوا بل تأكدوا خلال العام ونصف العام التي قضاها حتى الآن الرئيس بايدن في الرئاسة أن التقليل، ومن ثم محاولة تهميش دول المنطقة، هو فرضية خاطئة وتحتاج إلى مراجعة على الأقل من الناحية التاريخية، فهذه هي قلب العالم، ومن يُرد قيادة العالم فعليه التفاهم مع أبناء هذه المنطقة. ومن الناحية التاريخية أيضاً فرغم كل المحاولات الأمريكية خلال أكثر من أربعة عقود في تجاهل هذه المنطقة إلا أنها لم توفق أو يكتب لها النجاح.

وعلى المخطط الأمريكي أيضاً عدم استسهال الدور الدبلوماسي والحراك الخليجي العالمي النشط في البحث عن بدلاء استراتيجيين وتكوين شراكات عالمية بعيداً عن الولايات المتحدة، طالما أن المصلحة أو البراغماتية هي المحرك، فهو أمر يحتاج إلى الوقوف أمامه، فالقيادات السياسية الخليجية لها حضورها العالمي، ولديها شركاء عالميون يمتلكون القدرة على التأثير في مجريات الأحداث الكبرى.

أحد السيناريوهات الأمريكية في تجاهل أهمية المنطقة كان في الانسحابات العسكرية، حدث ذلك في عام 2018، وكذلك في العام 2021، وفي المرتين شجّع المخططون الأمريكيون الرئيس الأمريكي على إعادة تقييم الاستراتيجية الموجودة أو الموضوعة من خلال العودة إلى المنطقة مرة ثانية.

فبالإضافة إلى البترول والطاقة بشكل عام، التي هي حاجة دولية ولا يزال التنافس الدولي عليها قائماً، فإن الدور الذي تقوم به هذه الدول في النهوض الاقتصادي والتنمية في المنطقة يوضح أن صناعة مستقبل العالم تبدأ من هنا، خاصة وأن الدول المحيطة بها تنشط بالتزامن معها، سواءً في آسيا مثل الهند، أو أفريقيا كما إثيوبيا، فلم تعد دوائر التأثير على القرارات الدولية في أماكنها التقليدية في الغرب، وإنما بدأت تتوزع على باقي العالم، وإن بنسب متفاوتة. يصعب على المراقب الموضوعي الاستعجال في الحكم على نهاية العلاقة الأمريكية-الخليجية، فهي ليست طارئة ولا حديثة العهد، لكنها تمتد منذ أكثر من سبعة عقود، كما لو تعمقنا في تفاصيلها الدقيقة فهي تتجاوز حماسة الانتخابات الرئاسية التي يقدم خلالها المرشح الرئاسي وعوداً لكسب الأصوات، وبمجرد دخوله البيت الأبيض يجد أمامه ضغوطات سياسية واقتصادية تفرض عليه قرارات استراتيجية، تجعل وعوده غير قابلة للتنفيذ.

 

* كاتب إماراتي

طباعة Email