التجارة العالمية في ظل التقلبات الدولية الراهنة

ت + ت - الحجم الطبيعي

أضعفت الجائحة العالمية التي اندلعت قبل أكثر من عامين، ولم يزل تأثيرها قائماً، التجارة العالمية إلى حد بعيد، من دون أدنى شك، فبحسب مرصد التجارة العالمية، التابع لمكتب تحليل السياسات الاقتصادية الهولندي، انخفض حجم التجارة في عام 2020، إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 2012، وذلك عندما كان الاقتصاد يعاني لتخطي الصدمات الناجمة عن الأزمة المالية العالمية.

ووفقاً لحسابات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، انخفضت قيمة المنتجات المصدرة من دول المنظمة بنسبة 8.2 % خلال عام 2020، بينما انخفضت قيمة صادرات الخدمات بنسبة 16.7 %، وذلك إلى حد كبير، بسبب التوقف شبه الكامل لقطاع السفر والسياحة.

وقد شكّلت الاضطرابات التي أصابت سلاسل التوريد، مصدر قلق كبيراً، مع ارتفاع تكاليف الشحن، وتعطل الموانئ، والتأخر العام في دورات الإنتاج، الذي عصف بنموذج التصنيع والتوزيع الحالي. كما تأثرت كل حلقات السلسلة، بدءاً من القيود المفاجئة، على توريد المواد الخام، ووصولاً إلى تقليص الإنتاج وتسليمه، ما يعني وجود مشكلة في «التوريد»، تماثل مشكلة «السلسلة».

وشهدنا حدوث ذلك مع منتجات متنوعة، بداية من أشباه الموصلات، التي أثر عدم توفرها على قطاعي الإلكترونيات الاستهلاكية والسيارات الكهربائية المزدهرين، وصولاً إلى الفواكه والخضراوات التي واجه تصديرها تحديات كبيرة، ما انعكس سلباً على المزارعين، والمجتمعات التي يعتمدون عليها، خصوصاً في العالم النامي.

وأبرزت الجائحة العالمية، بوضوح هشاشة نظام التجارة العالمي الحالي، ومدى اعتماد مختلف الدول على الواردات بالكامل تقريباً، باستخدام سلاسل التوريد العابرة للحدود. وبدلاً من تعزيز أو تنويع سلاسل التوريد، شهدنا تركيزاً مفرطاً على الإنتاج المحلي، وفي حالات معينة، انعزالية متصاعدة، تصبح التجارة في ظلها أداة سياسية. ويسهم في تحفيز ذلك الاتجاه، استمرار الصراع الدائر في أوكرانيا، التي تعد واحدة من أكبر الدول المصدرة للحبوب في العالم.

ورغم التحديات السابقة، لا بد من تذكير أنفسنا بفوائد التجارة العالمية، إذ تزيد قدرة الدول على التطور، وتتيح الوصول إلى أسواق وعملاء وأفكار ومواد خام جديدة. وتمتلك الشركات من خلالها مزيداً من الفرص، لتنويع الإيرادات وتوسيعها، وخلق فرص العمل، وتقليص المخاطر، بينما يستفيد المستهلكون من خيارات أوسع، وأسعار أقل، ومنتجات جديدة ومبتكرة. ويمكن القول إنه يستحيل النمو المالي والاجتماعي والفكري دون التجارة، خصوصاً في العالم النامي، الذي تنمو فيه الدول ذات السياسات التجارية الليبرالية بصورة أسرع من نظيراتها المنعزلة والحمائية، وفقاً لصندوق النقد الدولي.

ولطالما أدركت دولة الإمارات ذلك الأمر، نظراً لموقعها الساحلي، وكونها بوابةً رئيسة للأسواق الإقليمية، التي تحتاج إلى العديد من السلع والبضائع، كنا دوماً دولة تتطلع إلى التعاون مع الخارج، وتربطنا مدننا الساحلية بالشرق الأوسط ككل، وشبه القارة الهندية. لذا، أصبحت التجارة نقطة محورية، ضمن أجندتنا الاقتصادية الطموحة الجديدة، التي تبلورت عبر مشاريع الخمسين في سبتمبر الماضي.

وصُممت مبادرات مشاريع الخمسين للاستعداد للتحديات الاقتصادية في الخمسين عاماً المقبلة، ودفع عجلة التعافي من كوفيد 19، وتركز على تسريع التحول الصناعي، والاستفادة من تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة، وإعادة توجيه مشتريات القطاع الحكومي، وبعض القطاع الخاص، إلى الاقتصاد المحلي، والارتقاء بمستوى قوانين التأشيرات والإقامة والعمل لدينا ومراجعتها.

إن مشاريع الخمسين، تسعى إلى تأسيس جيل جديد من الاتفاقيات التجارية والاستثمارية القوية، مع أهم الشركاء العالميين لدولة الإمارات، إذ ستسهم هذه الاتفاقيات الثنائية في تحفيز النمو الاقتصادي المستدام على المدى البعيد، وترسيخ مكانة دولة الإمارات، مركزاً اقتصادياً عالمياً. وقمنا حتى الآن، بتوقيع أول اتفاقيتين للشراكة الاقتصادية الشاملة، وهما في واقع الأمر، أول اتفاقيات تجارية ثنائية لنا على الإطلاق، وذلك مع كل من الهند، التي تعتبر سادس أكبر اقتصاد في العالم، وإسرائيل. ومن شأن هاتين الاتفاقيتين، أن تضيفا أكثر من 40 مليار درهم إلى الناتج المحلي الإجمالي، خلال العقد القادم، من خلال خفض الرسوم الجمركية أو إزالتها، والتخلص من العوائق الفنية أمام الأنشطة التجارية، وزيادة التدفقات الاستثمارية.

ومن المنتظر توقيع المزيد من الاتفاقيات، فالمحادثات جارية حالياً مع كل من إندونيسيا وتركيا وكولومبيا، فضلاً عن وجود اهتمام كبير من عدة شركاء تجاريين واستثماريين آخرين. ونتيجة لهذه الجهود، يُتوقع أن تنمو صادراتنا بأكثر من 6 % سنوياً، وفقاً لبنك ستاندرد تشارترد، لتتجاوز قيمتها الإجمالية 1.1 تريليون درهم، بحلول عام 2030. وستصبح الإمارات بفضل ذلك، محركاً أساسياً للنمو التجاري العالمي.

إننا نؤمن في هذا السياق، بضرورة أن تتبع دول أخرى، وخصوصاً الدول النامية، نهجاً مماثلاً، إذ لم يعد الوقت مناسباً للحمائية، أو الانكفاء على النفس، بل يجب على تلك الدول، أن تستغل الفرصة، وأن تفتح اقتصاداتها أمام العالم، وأن تحسّن بنيتها التحتية اللوجستية، وأن تعزز اندماجها في المنظومة التجارية العالمية، لتحصد بذلك تعافياً اقتصادياً أسرع، وأكثر استدامة وشمولية.

وفي ظل ما ذكرناه، حان الوقت لتبني نهج جديد لحوكمة التجارة العالمية. فبعد أن قادت التوترات التجارية المتنامية في ثمانينيات القرن الماضي، إلى إعادة هيكلة المنظومة التجارية العالمية في التسعينيات، ثمة حاجة الآن إلى منظومة أخرى، تضمن قواعد شفافة وقابلة للتنبؤ في عصر التجارة الرقمية، وتدفق البيانات عبر الحدود والحمائية المتزايدة في مجالات مثل حقوق الملكية الفكرية.

ولا تزال منظمة التجارة العالمية، التي تأسست في عام 1995، بحاجة إلى مواكبة تطورات العصر. وتواجه كفاءة هذه المنظمة ثلاثة عوائق رئيسة، هي عدم القدرة على مراقبة كيف يطبق أعضاؤها قواعد التجارة، والخلل الذي يعاني منه جهاز الاستئناف التابع للمنظمة، ومهامه المتمحورة في تسوية المنازعات، وفشل المنظمة في وضع إطار مناسب للتجارة الرقمية حتى الآن.

ويتم حالياً حل هذه المسائل بشكل ثنائي، أو متعدد الأطراف، كما هو الحال في شراكاتنا الاقتصادية الشاملة، التي تشمل فصولاً خاصة بتسوية النزاعات والتجارة الرقمية. وتسعى الولايات المتحدة واليابان كذلك، إلى تعزيز تحالفهما الاقتصادي، ليشمل التطوير السريع للاقتصاد الرقمي. لكن بالنظر إلى الأثر الإجمالي، ولتحقيق العدالة، أصبح لزاماً على منظمة التجارة العالمية، أن تضع قواعد جديدة لاستيعاب هذا المجال الحيوي.

ونحن نؤمن بأن التكنولوجيا قادرة على تحقيق حقبة جديدة من النمو التجاري المستدام، الذي يحمي مصالح الدول النامية ويلبيها. إن الخدمات الرقمية المدعومة بالدفعات الإلكترونية والوثائق الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي والبلوك تشين وإنترنت الأشياء، تشكل بداية لحقبة جديدة من الفرص، فقد قفز نصيب الخدمات الرقمية في عام 2020، إلى 64 % من إجمالي صادرات الخدمات، مقارنة بـ 52 % في عام 2019. لكن هذا القطاع لن ينجح بشكل كامل، إذا استمرت سياسات توطين البيانات والفجوات التنظيمية في الدفعات الرقمية في خلق العوائق.

لقد حرصنا على طرح هذه الأفكار، خلال المؤتمر الوزاري الثاني عشر لمنظمة التجارة العالمية، وعملنا على الضغط للوصول إلى نهج جماعي، حيال التعامل مع القضايا المؤثرة في التجارة العالمية. وتقوم مقاربتنا في هذا الصدد، على إقناع المجتمع الدولي، بأن وجود منظومة تجارية متكاملة ومتعددة الأطراف، يشكل حافزاً للنمو، والتنمية، وخلق الوظائف، والحد من الفقر، والحراك الاجتماعي. ومع استمرارنا في مجابهة التحديات الاقتصادية القائمة، يجب التركيز على أن تلبي هذه المنظومة احتياجات الاقتصاد العالمي الجديد، والمعتمد على التقنيات الرقمية. ونحن في دولة الإمارات، جاهزون تماماً لتأدية دورنا في هذا السياق.

طباعة Email