رمزية الحنين إلى الماضي

ت + ت - الحجم الطبيعي

الكثير من الناس يجد في الحنين دفئاً رواقياً، والبعض يجد فيه مأوىً يلجأ إليه بحثاً عن الطمأنينة؛ ضالة الإنسان الأبدية، تلك التي لا يكف عن البحث عنها، فحتى لو غمّت عليه أحياناً وأخطأها البصر، يظل في سعيه إليها بكامل تهيئه وتفاؤله؛ ففي مثل تلك المآوي الدافئة للحنين، يراجع المرء فيها ما مضى له وكان، ويتأمل ما يمكن أن يأتي ويكون، في مقبل مجهول قد يحمل من المسرات القليل، ومن النوازل الكثير، ولأنك لا تعرف وقتاً أو مصدراً، فأنت تخافها وتخشاها، ومن الطبيعي أنك ستخفق مرة تلو أخرى في التعرّف على شكلها وحجمها، وحدّة تأثيرها في الروح قبل النفس عند بطشتها الأولى، ورغم ذلك يبقى الإنسان فرحاً بدفئه في مأواه الحنينيِّ ذاك، بصفته مكسبه الوحيد، المادي والنفسي، وما تبقى له في هذه الدنيا، المكان يكون فيه كما يريد هو أن يكون، لا كما يريد له الآخرون أن يكونه، وتلك معجزة الإنسان الذي خلق في أبدع تقويم.

والحنين يكتسب أهمية لدى كثيرين، ليس بسبب من الطمأنينة التي يعيشها في المكان جزئياً، يضخها فيهم ليحيي بها يباس الأنساغ والعروق، بل لأنه يشعرهم أن بإمكانه استنهاض عزيمة تفتت، ولملمة نفس شظّتها الغوائل، واستجماع قوى أوهنها التبعثر فهي اليوم هواء.

والحنين بمعنى من المعاني، بعيداً عن دفئه النفسي والعاطفي، هو سلاح يستدعيه الإنسان الخائف كلما أرهبته تحديات الراهن المعيش، يلوّح به لها تعبيراً عن قوة متوهمة، وقدرة ليست حقيقية على الصمود والبطش والانتصار، لكن الراهن يسير وفقاً لمسيرته لا يتوقف، كالمد لا ينتظر أحداً، ولا يستمع لأحد، ولا يلقي بالاً للحائر المضطرب، والمتردد الخائف، الذي يمضي في تعديد خسائره، وتبديد أعوامه، جامداً في مكانه لا يبرحه، رافضاً المواكبة، أو التكيف، أو أن يخرج على الملأ جاهراً بعجزه ربما يلقى مساعدة أو تأهيلاً أو احتواءً ورعاية.

والحنين إلى الماضي قد ينصرف إلى العجز، دلالة أن الحاضر بنبضه وأدواته هو من الاندفاع والقوة، بحيث لا يستطيع الإنسان مجاراته أو مواكبته، والانضمام إلى السائرين في ركابه نحو شمس جديدة، وهواء جديد. 

وقد ينصرف الحنين إلى حالة، فيها نفر منا قد ارتكن إلى خيمة ضرب أطنابها في الماضي، وسكن فيها، رافضاً أن يبرحها إلى أي مكان آخر، أياً كانت روحه وبهجته وفضاءاته، مكتفياً بمراقبة النجوم والقمر المنير في السماء، وإن كانت الريح تصفر في الأرجاء من حوله، وفي خيمته، في نهارات متشابهة تبعث على نهايات مبكرة.. نهايات لا يستحقها الإنسان ولا تليق به، وهو الذي انطوى فيه العالم الأكبر.

الحنين بهذا المعنى لن يكون محفزاً للحياة، بل يكون ضد مسارها واتجاهها، رغم ما قد يكون في الماضي من قيم وأمور يراها بعضنا - ممن أكله حنينه - أنها مضيئة، وهي ليست كذلك. ولعل جملةً من الأعمال الفكرية والأدبية المحلية والخليجية العربية، تحاول تكريس مثل هذا الحنين الذي ينصرف إلى إضفاء ما يشبه نوعاً من (القدسيّة) العاطفية، وهي لا تجوز، على بعض ما في الماضي، وتلك مشكلة إن تكرست أو استمرت، فلن يكون لنا مكاننا اللائق بين الأمم.

طباعة Email