«برامج الإنصات الحوارية»

ت + ت - الحجم الطبيعي

استضافني نجم الشاشة المحاور السعودي المتألق طارق الحميد في برنامجه «الموقف» على القناة السعودية. وكانت طريقته في إدارة الحوار تنم عن مهارة عالية ومهنية فاجأت المشاهدين قبل أن تفاجئني.

ما أثار استغرابي أنه في أول لقاء له في حياته على الشاشة كمقدم برنامج قد ظهر الأستاذ الحميد متمرساً في إدارة الحوار بكل مهارة واقتدار، فقد جرت العادة أن يبدأ المقدم متواضعاً، ثم يقوى شيئاً فشيئاً مع مرور الوقت والتجربة والخطأ.

وكانت أبرز مهارة في الحوار، التي تغيب عن كثير من البرامج الحوارية العربية، هي ممارسة مقدم البرنامج فضيلة الإنصات، فلم يكن يقاطع إلا في لحظة تستدعي المقاطعة، تحديداً في برهة صمت الضيف، وليس في أثناء تحدثه. وكانت تعابير وجهه كلها تنم عن انهماك غير متصنع، لكن الشاشة لم تظهر ذلك كله، مع الأسف الشديد، حيث كان الضوء مسلطاً عليَّ بصفتي ضيفاً طوال الوقت.

ما دفعني لكتابة هذا المقال أنه قد وردتني رسائل عدة، من أعمار متفاوتة، تسألني: «من هذا الرجل؟»، خصوصاً من بعض الشباب في الكويت، الذين لا يعرفونه. وكنت أستغرب كيف حكموا على شخص يدير الحوار بأنه «مثقف» أو «متمكن» أو «قوي»، وهي كلها مفردات جاءت في سياقات مختلفة تشيد بمقدم البرنامج.

اعتدنا نحن الضيوف أن تصلنا كلمات إطراء، ولكن هذه المرة جاءتني كثير من الإطراءات بحق المقدم، ولهذا مكثت أتأمل، هل فعلاً شعوري بالراحة مع مقدم برنامج متمكن قد انتقل إلى المشاهدين؟ وبالفعل كنت أشعر بأريحية في الحوار في داخل الأستديو منبعها أن أحداً لن يقاطعني لاستطراد في غير محله، أو بقطع حبل أفكاري بكلمة ليست ذات قيمة، وهذا كله دليل على أننا نحن البشر نأنس بالحوار مع من يمنحنا آذاناً صاغية.

وهذا الشعور ليس مقصوراً على المتحدث والمستمع، بل يمتد إلى المشاهدين والحضور في أي مجلس، فالحوار مثل مباراة كرة قدم أو كرة تنس، يستمتع فيها المتابعون كلما تألق الطرفان في حوار عفوي أو جاد يدور حول أمور تهمهم.

إذن، نستطيع القول إن البرامج الحوارية ليست مرتبطة «بالكلام» فحسب، بل بمدى جدية وجود من يصغي من دون تكلف للحوار، فالمنصت هو من بيده المقدرة على إدارة كفة الحوار، وليس المتحدث بالضرورة، لأنه بطرحه أسئلة ذكية يمكن أن يغير مجرى الحوار، أو ينتشل المتحدث من مأزق وقع فيه، ولذلك أرى أن برامجنا ينبغي أن تغير مسماها من برامج حوارية إلى «برامج إنصات»، لأن عدد من يمارسون الإصغاء أكثر بكثير من المتحدثين فيها، فملايين المشاهدين ومن يتابعون الحديث في الأستديو كلهم يمنحون متحدثاً واحداً آذاناً صاغية، فهم أولى بالتسمية من المتحدث، فهي إذن listening shows، وليست talk shows كما اشتهرت عالمياً.

وأرى أنه قد آن الأوان لإعادة النظر بطريقة تدريب الإعلاميين في منطقتنا، فمهما تقدمت التكنولوجيا سنبقى نتحاور إلى أبد الآبدين، ولذلك نحن بحاجة إلى إعلاميين على درجة عالية من الاحترافية لمناقشة قضايا المجتمع الجادة. وكلما تركنا الساحة «لأنصاف الموهوبين» أو من هبطوا بالباراشوت إلى الأستديو فإننا نقدم للأجيال الشابة نموذجاً غير مشرف لإدارة حوار يشاهده آلاف أو ملايين الناس.

الأمم التي سبقتنا في فضيلة الحوار وحسن إدارته بدأت من المنزل، والمدرسة، فصار الشارع وبيئات العمل والمنتديات والشاشات مساحة خصبة للنقاش وتبادل وجهات النظر، ذلك أن الحوار هو علاقة تبادلية، كل مشارك فيه يسهم في تحسينه أو «تخريبه». ونحن العرب نمجد المتحدث، وننسى الطرف الآخر «المنصت»، الذي لولاه لما وجد المتحدثون أحداً يفرغون له ما في جعبته.

 

طباعة Email