لست مع جوني ولا ضد آمبر

ت + ت - الحجم الطبيعي

يدفعني إلى الكتابة عن هذه القضية، رغم خفوت الأضواء عن الحكاية، هو نوبة الجنون الإعلامي التي رافقت جلسات المحكمة التي كانت تنظر فيها، ونوبة التعاطف (مع أو ضد) التي اشتعلت بين الجمهور الذي تابع المحاكمة، وهما نوبتان ربما لم تشهدهما، على حد علمي المتواضع، محاكمة أخرى عبر التاريخ، منذ محاكمة سقراط التي انتهت بموته قبل الميلاد بأربعة قرون، مروراً بمحاكمة تشارلز مانسون، مؤسس جماعة «العائلة» في منتصف الستينيات من القرن العشرين، والتي قادت سلسلة من جرائم القتل المروعة، وكان من أشهر ضحاياها الممثلة شارون تيت زوجة المخرج السينمائي رومان بولانسكي، إلى محاكمة نجم كرة القدم الأمريكية والممثل «أو. جاي. سيمبسون» المتهم بقتل زوجته السابقة نيكول براون وصديقها طعناً، تلك المحاكمة التي شاهدها الملايين عبر التلفزيون عام 1994 وانتهت بتبرئته، لتعود المحكمة عام 1997 لتجده مسؤولاً عن القتل، وتحكم عليه بدفع تعويضات لأسر الضحايا بلغ مقدارها 33.5 مليون دولار.

أحاول أن أقارن بين محاكمات الفلاسفة والمفكرين ومحاكمات الفنانين وبعض الذين ارتبطت جرائمهم بأهل الفن، فأجد أن محاكمات الفلاسفة والمفكرين أقل حظوة بمتابعة الجماهير من محاكمات الفنانين والنجوم والمشاهير، وأبتعد مسافة عن محاكمات السياسيين، وهي كثيرة عبر التاريخ، كي لا أقع في المحظور فأدخل حقل ألغام من الصعب الخروج منه دون كدمات وكسور، هذا إذا كانت فرضية الخروج منه واردة أصلاً.

لست مع جوني ولا ضد آمبر، مع احترامي لكل الذين وقفوا مع أو ضد، وإن كان واضحاً لكل من رصد تفاعل الذين كانوا يتابعون المحاكمة عبر وسائل الإعلام ووسائط التواصل الاجتماعي أن كفة جوني كانت هي الأرجح، حتى بين الجنس الناعم الذي انحاز أكثره إلى جوني ولم يختر جانب آمبر، رغم الدموع التي تساقطت من عينيها، وكانت لهذا الجمهور أسبابه التي يعتقد أنها وجيهة.

لم أفرح ولم أحزن للحكم الذي صدر لصالح جوني باتفاق المحلفين السبعة الذين تُليت أحكامهم على الهواء مباشرة ليتلقفها الجمهور المترقب للحكم على أحرّ من الجمر، لتنهي هذه الأحكام فاصلاً من الإثارة والتشويق والفضول الذي أصبح سمة من سمات هذا العصر، تبيع وتشتري فيه القنوات والمنصات لتحقق أرباحها الخيالية.

لست مع جوني ولا ضد آمبر، لا لأنني أحب أحدهما وأكره الآخر، ولكن لأن هذا ليس هو محور الحديث، وإنما محوره هو الهوس الذي عاشه الناس وهم يتابعون المحاكمة على مدى ستة أسابيع، هي المدة التي استغرقتها، والجلوس أمام شاشات التلفزيون وأجهزة الهواتف الذكية وغيرها ساعات لمتابعة الجلسات، إلى درجة أن المحامية كاميل فاسكيز، وهي واحدة من فريق المحامين التسعة الذين دافعوا عن جوني، أصبحت هي الأخرى نجمة، لفتت الأنظار بأدائها المحترف المتمكن، والثقة المطلقة التي كانت تدافع بها عن جوني، حتى كادت تخطف الأضواء منه عندما وصفها متابعو مواقع التواصل الاجتماعي بالنجمة، بعد أن بهرت الجميع بأدائها المتميز وشخصيتها القوية ومناقشاتها الذكية.

لست مع جوني ولا ضد آمبر، ولكنني أقف متأملاً، لا مستغرباً، هذا الاهتمام الواسع من قبل الجماهير في أنحاء العالم كافة بقضية خلاف شخصي بين امرأة وطليقها، بغض النظر عن شهرتهما، بينما تعصف بالبشر مشكلات وحروب وأزمات سياسية واقتصادية وإنسانية قد تؤدي إلى نشوب حرب عالمية تقضي على كل منجزات البشرية عبر القرون التي انقضت من عمرها.

لست مع جوني ولا ضد آمبر، ولكنني أستعيد من كتب التاريخ محاكمة سقراط، الذي كانت له قيمة فكرية كبيرة، حتى إنه لُقِّب بأكثر الرجال حكمة في العالم القديم، والذي كانت علاقته بزوجته زانتيب، التي لا يعرف الكثيرون اسمها، مضطربة جداً، فقد كانت مصدر إزعاج كبير له، كما تقول كتب التاريخ، كثيراً ما تلومه وتؤنبه، ودائماً ما تتهمه بالتقصير تجاه بيته وعائلته، عصبية حادة المزاج، إلى درجة أنها كانت توبخه أمام تلاميذه وتسكب المياه القذرة فوق رأسه، أستعيد من كتب التاريخ محاكمة سقراط، التي لم تكن بسبب الخلاف بينه وبين زوجته، وأتساءل: ماذا لو أن المحاكمة اتخذت هذا المسار العائلي، وتيسر للعالم في ذلك العصر أن يتابعها، مثلما تيسر لنا أن نتابع محاكمة جوني وآمبر في عصرنا هذا، وأتيح لسقراط أن يوكل فريق محامين بينهم واحدة مثل كاميل فاسكيز، أتساءل:

هل كان العالم سيتابعها بالحماس نفسه الذي تابع به قضية جوني وآمبر؟ وهل كان سقراط سيكسب القضية مثلما كسبها بطل «قراصنة الكاريبي» المحظوظ جوني ديب؟

 

طباعة Email