«شخصيات تحت المجهر»

عبد المطلب الكاظمي.. آخر من صافح الملك فيصل

ت + ت - الحجم الطبيعي

في 18 سبتمبر 2021 توفي بمدينة الكويت السياسي الكويتي عبدالمطلب الكاظمي، الذي يُعد أشهر وزير نفط في تاريخ الكويت من بين 24 وزيراً تولوا شؤون النفط حتى الآن، بل الوزير الكويتي الأول الذي حمل حقيبة النفط بعد فصلها عن حقيبة المالية سنة 1975.

حمل عبدالمطلب الكاظمي حقيبة النفط المستقلة عن حقيبة المالية لأول مرة ضمن الحكومة الكويتية الثامنة التي شكلها ولي العهد الشيخ جابر الأحمد في 9 فبراير 1975، وحافظ على موقعه ضمن الحكومة التاسعة التي شكلها الأخير أيضاً في 6 سبتمبر 1976.

وحينما شكل الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح الحكومة الكويتية العاشرة سنة 1978 خرج منها وحلّ مكانه علي الخليفة العذبي الصباح.

أما شهرته فجاءت من حادثتين شهيرتين وقعتا إبان الفترة التي تولى فيها منصبه الوزاري. الحادثة الأولى وقعت خلال أول زيارة خارجية قام بها في أعقاب تعيينه وزيراً للنفط وكانت إلى السعودية في مارس 1975، حيث ذهب إلى الرياض مكلفاً من القيادة الكويتية من أجل التنسيق بين البلدين في شؤون النفط وأيضاً من أجل بحث موضوع تقسيم المنطقة المحايدة بين السعودية والكويت إدارياً (طبقاً لما صرح به في لقاء تلفزيوني).

وتشاء الأقدار أن يكون الرجل آخر شخصية تلتقي بالملك فيصل بن عبد العزيز. فبمجرد أن أنهى الكاظمي مصافحة وتقبيل الملك في قاعة الاستقبال وقع الفيصل على الأرض في الحادثة المأساوية المفجعة المعروفة التي انتهت بوفاة الفيصل يوم 25 مارس 1975.

وعن هذه الحادثة قال الكاظمي: «نعم كنت موجوداً لحظة الحادث الكبير، وما دار في تلك اللحظة شيء لا يصدقه العقل، إذ ترى أمامك ذلك الملك المهيب وهو يسقط شهيداً على الأرض. ولعل تصرفي الهادئ يرجع إلى عدم استيعابي لما جرى أمامي، إذ كانت الصدمة أكبر من التصور».

أما الحادثة الثانية فقد وقعت إبان تمثيل الكاظمي بلاده للمرة الأولى في مؤتمر لمنظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) عقد في ديسمبر 1975 في فيينا. حيث كان الكاظمي ضمن وزراء النفط الأحد عشر الذين احتجزهم واختطفهم الإرهابي الفنزويلي كارلوس، علماً أن كارلوس ورفاقه الإرهابيين نقلوا الرهائن إلى الجزائر بطائرة اضطرت السلطات النمساوية لوضعها تحت تصرفهم، وفي الجزائر تمّ الإفراج عن الرهائن من بعد مفاوضات عسيرة.

وهكذا نجا الكاظمي وعاد سالماً إلى بلاده في طائرة خاصة أمر وزير الخارجية آنذاك الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح بإرسالها إلى الجزائر لنقله إلى بلده مع الوفد المرافق، ليجد في استقباله حشداً شعبياً ورسمياً كبيراً.

وفي شهادته عن هذه الحادثة الإرهابية قال إن كارلوس سأله بالعربية عمن يكون، وحينما أجاب بأنه وزير النفط الكويتي أشار إليه بالانضمام إلى فئة الوزراء الأعداء قائلاً: (الكويت 50% أعداء) قبل أن يغير رأيه ويضمه إلى فئة الأصدقاء.

والمعروف أن كارلوس، بعد أن سيطر على الموقف داخل قاعة الأوبك أثناء الجلسة الختامية للمؤتمرين، طلب من المتواجدين الانبطاح أرضاً، ثم راح يسأل كل واحد عن اسمه واسم دولته، قبل أن يقسمهم إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول ضم وفود الدول الأعداء (إيران والسعودية والكويت)، والقسم الثاني ضم وفود الدول الصديقة (العراق والجزائر وليبيا)، والقسم الثالث ضم وفود الدول المحايدة (الأكوادور وأندونيسيا وفنزويلا ونيجيريا).

يقول الكاظمي إن كارلوس كان يريد أخذ الوزراء في طائرة كرهائن والتحليق بهم من بلد إلى آخر مع إجراء مفاوضات مع الجزائريين والليبيين من أجل الحصول على أكبر قدر من الفدية.

وهناك حادثة ثالثة يـُشار إليها إلى جانب الحادثتين السابقتين في معرض الحديث عن سوء الطالع الذي لازم الكاظمي خلال توليه حقيبة النفط، وهي نشوب حريق هائل في واحد من أكبر حقول النفط الكويتية بـُعيد أيام من تسلمه منصبه الوزاري سنة 1975.

لكن من جانب آخر واكب الكاظمي، بصفته وزيراً للنفط، لحظة تاريخية في تاريخ الكويت النفطي، وذلك حينما وقع اتفاقية التأميم مع شركة البترول البريطانية وشركة غلف للزيت في مارس 1975، والتي بموجبها سيطرت الكويت على مواردها البترولية بالكامل.

ولد عبد المطلب بن عبد الحسين بن حسن الكاظمي في 24 أكتوبر 1936 بمدينة الكويت لأسرة قدمت إلى الكويت من العراق في أوائل القرن العشرين، ويرجع نسبها ــ طبقاً لمصادر العائلة ــ إلى قبيلة شمر، علماً أن هذه الأسرة تـُعرف في الكويت بالكاظمي أصحاب الديوان بمنطقة الدسمة تمييزاً لها عن أسرة أخرى تحمل الاسم نفسه.

وقد وجدت في كتاب «موسوعة العتبات المقدسة» لجعفر الخليلي أن عائلة الكاظمي في الكويت نسبة إلى ضاحية الكاظمية ببغداد، وأنهم يلقبون هناك بعائلة «أبو اللحم» من البوطباخ من بني سلاميين في الدجيل بالقرب من بلدة سامراء، وأنهم هاجروا واستقروا في الكاظمية إبان الطاعون الكبير سنة 1246 للهجرة.

وفي موقع تاريخ الكويت وجدت ما يفيد أن جد الوزير عبد المطلب الكاظمي أي حسن الكاظمي كان متزوجاً من سيدة من عائلة الجمالي المعروفة، وبعد أن ترملت اقترنت بالتاجر الكويتي الحاج عبدالله محمد المتروك، الذي تولى رعاية ابنها عبد الحسين حسن الكاظمي، وحينما انجب الأخير ولديه زيد عبد الحسين الكاظمي وعبد اللطيف عبد الحسين الكاظمي اشتغلا عند المتروك، حيث استلم الأول إدارة أعمال المتروك التجارية في المحمرة، واستلم الثاني إدارة أعمال المتروك في البصرة، واستمرا كذلك إلى أن استقلا عنه وصارا من رجال الأعمال المعروفين ومن أصحاب الوكالات التجارية (مثل وكالة سيارات مرسيدس الألمانية التي اختص بها زيد الكاظمي شراكة مع عبد الرحمن البشر ضمن شركة تأسست سنة 1949).

ومن بوابة العمل التجاري شقا طريقهما نحو مجلس الأمة الكويتي، حيث خاض زيد (ت: 1989) انتخابات مجلس الأمة لعام 1963 عن الدائرة السابعة (الدسمة) ففاز بعد حلوله بالمركز الرابع، ثم شارك في انتخابات 1967 عن الدائرة نفسها ففاز أيضاً بحلوله في المركز الأول. أما أخوه عبد اللطيف (ت: 2013) فخاض الانتخابات للمرة الأولى في عام 1967 وفاز بالمركز الثاني في الدائرة السابعة، ثم كرر المحاولة في انتخابات عام 1971 ففاز أيضاً بالمركز الثاني.

وبالعودة إلى سيرة شقيقهما الأصغر عبد المطلب الكاظمي، نجد أنه نشأ في عائلة مكونة من 10 من الإخوة والأخوات، وكان ترتيبه الثامن بينهم، وتلقى تعليمه ما قبل الجامعي بالمدرسة المباركية، ثم بمدرسة الروضة.

وبعد إتمامه الثانوية عام 1956 سافر إلى القاهرة، حيث التحق هناك بكلية التجارة التابعة لجامعة القاهرة التي تخرج منها سنة 1961 حاصلاً على بكالوريوس المحاسبة. وقد وصف الكاظمي فترته القاهرية، بالفترة الذهبية في حديثه لبرنامج «حديث العمر» من قناة «روتانا خليجية»، مضيفاً إن القاهرة هي المدينة الأجمل أولاً وثانياً وثالثاً من بين المدن التي زارها في حياته، وإنه عاش فيها بالطول والعرض وتفتحت فيها آفاقه الثقافية وتشرب من خلالها الشعارات القومية والوحدوية وعاصر فيها أحداثاً كثيرة كتأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي والوحدة المصرية السورية وغيرها من الأحداث التي أثرت فيه وهو شاب.

بعد عودته إلى الكويت سنة 1961 عمل بوزارة الأشغال، حيث تم تعيينه في لجنة نزع الملكية للمنفعة العامة. ومن وزارة الأشغال انتقل للعمل بوزارة المالية والنفط التي شغل فيها منصب مدير الميزانية العامة.

وبصفته الوظيفية الأخيرة شارك ضمن كويتيين آخرين وثلاثة سعوديين وستة يابانيين في عضوية مجلس إدارة «شركة الزيت العربية» اليابانية التي تولت استخراج النفط من المنطقة المحايدة، وبصفته تلك اعتاد على الذهاب إلى طوكيو سنوياً لحضور اجتماعات الشركة هناك، والتي كان يتخللها منح المشاركين تذاكر جوية مجانية للسفر حول العالم، فاستثمر تلك التذاكر في التعرف على دول العالم المختلفة ومنها أمريكا وبريطانيا اللتين لم يكن قد زارهما حتى تاريخه.

قرر الكاظمي مواصلة دراسته العليا، فسافر سنة 1967 إلى الولايات المتحدة الأمريكية لنيل درجة الماجستير من جامعة كلورادو بمدينة بولدر. وفي هذا السياق قال إن الذي شجعه على إتمام دراسته العليا في الولايات المتحدة دون سواها هو الأكاديمي والصحافي والمؤرخ والناقد المصري كمال الملاخ (مكتشف مراكب الشمس الفرعونية) حينما التقاه في الكويت.

في عام 1971 دخل صاحبنا المعترك السياسي لأول مرة بتشجيع من شقيقه الأكبر زيد الكاظمي، فترشح في انتخابات مجلس الأمة الكويتي لتلك السنة عن الدائرة السابعة ففاز بمقعدها، ثم كرر المحاولة في انتخابات عام 1975 عن الدائرة نفسها ففاز أيضاً. ولعل فوزه القوي في هاتين الدورتين كان وراء اختياره لشغل منصب وزير النفط.

وبفقدانه المنصب الوزاري لم يكرر الرجل تجربة دخول البرلمان مجدداً، إذ انشغل بأعباء عضويته في عدد من المؤسسات والشركات. وفي سنواته الأخيرة، قبل تدهور صحته ووفاته، حرص على الإطلالة على مواطنيه من خلال مقالات في الصفحة الأخيرة من جريدة النهار الكويتية.

 

طباعة Email