نصيحة كينسجر لمن؟!

ت + ت - الحجم الطبيعي

بالحسابات الاستراتيجية، الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، خسر معركته مع أوكرانيا لسبب بسيط، لأنه منذ بداية الحرب في 24 فبراير هو وفريقه يؤكدون على أنها «مهمة محدودة» وبالتالي لا تحتاج إلا لعدة أيام لإنجازها. الحديث اليوم أن الحرب تقارب الـ 100 يوم منذ بدايتها، وهي المدة التي يختبر فيها أي عمل سياسي، ولا توجد مؤشرات حتى الآن على قرب انتهائها لا بالحل الدبلوماسي أو حتى خسارة أحد طرفي الأزمة، بل القلق بدأ يسيطر على العالم من توسعة الحرب في المساحة الجغرافية لتشمل أوروبا، وكذلك في نوع السلاح المستخدم.

روسيا لن تتراجع وفق تقديرات لطريقة تفكير بوتين ، حيث ترى أن تداعيات ذلك التراجع داخلياً ودولياً لن تكون في صالحه كقائد يسعى لإعادة أمجاد بلاده، ولا في تاريخه السياسي الذي يريد أن يختمه بإنجاز يحفظه التاريخ. وفي المقابل أوكرانيا أو الرئيس زيلينسكي الذي يعيش حالة «بطل الحرب» وبدأ يكتسب شعبية من خلال الفرص التي تتاح له بمخاطبة الرأي العام العالمي في محفل دولي بما فيها «دافوس»، لن يقبل بشروط روسيا أو التنازل عن أراض سيطر عليها الجيش الروسي خلال هذه الحرب، إذا استثنينا جزيرة القرم التي حسم أمرها في 2014.

لكن هناك من يرى الأمور من زاوية مختلفة وبوجهة نظر مغايرة، ربما لأنه لا يعيش حالة من التشنج لتفاصيل الأزمة أو لأنه يدرك أن العالم ينتظر رجلاً حكيماً ليقدم له نصيحة هي خلاصة تجربته السياسية في إدارة الأزمات، حيث خرج على العالم الدبلوماسي والمفكر الاستراتيجي ذي 99 عاماً، والخبير بالقضايا والأزمات الدولية، والعارف بخبايا ودهاليز السياسة الأمريكية هنري كيسنجر، الذي أثار برأيه وتصريحاته في منتدى الاقتصاد العالمي في «دافوس»، الكثير من اللغط والغضب خاصة لدى الأوكرانيين، حيث قال «إن أوكرانيا يجب أن تتخلى عن جزء من أراضيها، للتوصل إلى اتفاق سلام مع روسيا ينهي حرب الأشهر الثلاثة».

«الداهية» من واقع خبرته والعالم بالحروب ونتائجها، يؤكد على أهمية المفاوضات بين روسيا وأوكرانيا لحل الأزمة وإنهاء الحرب، بل يبالغ في طرحه لحل المشكلة ربما لأنه يدرك أبعادها الاستراتيجية على أوروبا قبل العالم. وقال في إشارة إلى أمريكا والدول الأوروبية، إن الاستمرار في استعداء روسيا أو كسر هيبة بوتين خطأ وستكون له عواقب وأضرار وخيمة، خاصة وأن روسيا كانت جزءاً أساسياً من أوروبا منذ 400 عام، وكان لها دور في توازن القوى خلال أوقات حساسة وحرجة مرت على القارة الأوروبية، لذا هو يرى أنه لا بد من أن تعي الدول الغربية أهمية روسيا وتكون واعية وحذرة في «عدم الانغماس في مزاج اللحظة»، وقدم نصيحته بأن الأفضل لأوكرانيا أن تكون دولة محايدة، ولا بد من قادتها التحلي بالحكمة.

يرى كيسنجر من خلال رؤيته وخبرته، بأن الوضع الجيوسياسي العالمي سيتغير بعد انتهاء الحرب الروسية الأوكرانية، ومن الواضح الآن لدى المراقبين للأوضاع العالمية والمتابعين للتحركات الدبلوماسية للحكومات، أن الكثير من الدول قد بدأت في إعادة تقييم علاقاتها وتحالفاتها بما يتوافق مع مصالحها الوطنية، وتعد العدة للوضع الجديد للنظام العالمي الذي ما زال في طور التشكل.

ردة الفعل الأولية للأوكرانيين على نصيحة كيسنجر طبيعية وهي غريزة بشرية وطنية، إلا أن ما طرحه (كيسنجر) لا يخلو من الواقعية، ليس فقط كونه ينتمي إلى المدرسة الجمهورية التي تجيد التعامل مع القضايا الدولية، ولكن تاريخه السياسي يزخر بقصص نجاح يعجز العقل البشري عن نسيانها مثل: إعادة إدماج الصين في السياسة الدولية في وقت كان البعض يراهن على تايوان، ومنها تحويل مسار الأزمة الفلسطينية - الإسرائيلية من الحرب إلى البدء بالتفكير في الحلول الدبلوماسية رغم حالة التشنج، وبالتالي فكلمات كيسنجر تتعدى القيادة الأوكرانية لتكون رسالة للعالم.

 

* كاتب ومحلل سياسي

طباعة Email