عالم متغير.. وسكون عربي

ت + ت - الحجم الطبيعي

النقاش الدائر هذه الأيام في مراكز الدراسات وحتى وسائل الإعلام العالمية يدور حول أن النظام العالمي متجه نحو إعادة تشكيله وأن النظام القائم حالياً يسير نحو الزوال وأن هذه هي سنة الكون.

وقد أكد معالي الدكتور أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، في محاضرته التي ألقاها في شهر رمضان الذي غادرنا قبل أيام، أن هذا التشكل الجديد يتم بين زوال سيطرة المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة وصعود المعسكر الشرقي بطرفيه الروسي والصيني، ولكن الذي يبدو غائباً في هذا المشهد العالمي هي الكتلة العربية كمجموعة واحدة وكأنه ليس طرفاً أساسياً فيما يتم مع أنه قد يكون أكثر الأطراف المتأثرة من التشكيل الجديد أياً كان شكله أو نوعه.

قلة من الدول العربية التي لم تنسحب من حلبة التفاعل السياسي ولم تقبل الاكتفاء بالجلوس في مقاعد المتابعين لما يحدث في هذا العالم، لأنهم إن فعلوا ذلك فإنهم سيكونوا جزءاً من التقاسم الدولي سواءً كان نظاماً ثنائياً أو متعدد الأقطاب ومن هذه الدول الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية اللتان بفعل التفاعل والاحتكاك مع الفاعلين الدوليين والإقليميين أصبحتا تمسكان بخيوط تحرك الأحداث في العالم مثل الطاقة والنفط، ولديهما علاقات مؤثرة في دوائر صناعة القرارات الدولية.

كما أن اندماجهما مع القضايا الإنسانية وشبكة العلاقات المالية العالمية والعمل بشيء من التفاصيل والدراية بما يتم في كواليسها جعلت منهما قادرة على التأثير في صناعة القرارات الدولية وبالتالي التأثير في طبيعة اتخاذ القرارات واتجاهاتها، لذا يمكننا القول إنه أصبح من شبه المستحيل أو على الاقل ليست بتلك السهولة التي يمكن اتخاذ القرارات من الدول الكبرى في العالم دون أخذ رأي دول مثل الإمارات أو السعودية.

ما أريد قوله في هذه النقطة أن الأمر يحتاج إلى تفعيل العمل العربي بالطريقة التي تبرز حجم هذه (الكتلة) لأهميتها في الاستراتيجية العالمية وبالتالي التفاعل مع ما يتم من التخطيط له في إعادة صياغة العالم.

الملفت في هذا التغير، أن هناك صدى إقليمياً من الجوار العربي لهذا التغيير الدولي من حيث الرغبة في الاستفادة منه على الأقل على المدى القريب. فإيران تعتبر من الدول المستفيدة فيما يحدث حالياً من ناحية في الأزمة الروسية الأوكرانية في تصدير النفط، وقد تستفيد أكثر في حالة صار النظام الدولي متعدد الأقطاب. كما أن الهند هي الأخرى أصبحت محل تنافس بين روسيا والولايات المتحدة حيث تحاول كل منهما استقطابها. أما التراجع أو الغياب كوحدة إقليمية للاستفادة من هذا الحراك الذي ما يزال يتسم بالضبابية وعدم الوضوح فهو عربي.

قد يبدو حديث الغياب العربي في المشهد الدولي معاداً وقصة سياسية مألوفة ومتكررة، غير أن حالة التقدم الدبلوماسي والصعود السياسي لدولة الإمارات من خلال التحركات التي يقوم بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وعقد سموه لقاءات مع قادة المنطقة، تؤكد الدور الذي تقوم به الإمارات لسد حالة الفراغ السياسي العربي وتحاول أن تحفز باقي دول الإقليم ليكون للعرب تواجد في الحراك الدولي ولكي لا يتفاجأوا بقرارات ليست في صالح منطقتهم ودولهم.

النظام الدولي تحت الصياغة والتشكيل، والجميع مدعو لأن يكون شريكاً فيه، وبالتالي على العرب امتلاك استراتيجية أمنية واحدة لحماية مكتسباتهم وإيجاد دور إقليمي مؤثر، لأن الصمت السياسي وحالة السكون هو في الحقيقة عامل مشجع للآخرين لأن يقتحموا ساحتنا.

 

* كاتب إماراتي

طباعة Email