شرابُ المُحبّين

ت + ت - الحجم الطبيعي

هذه هي الومضة الرمضانية الأخيرة التي يكتبها هذا العام صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبيّ، رعاه الله، في وداع هذا الشهر الكريم الذي شهد كثيرًا من أعمال البرّ والإحسان التي نهضت بها إمارة دبيّ تحت عينه وتوجيهاته، وكان من أكبرها نفعاً وعائدة على بني الإنسان حملة إطعام الطعام في هذا الشهر الكريم، حيث تمّ تأمين مليار وجبة طعام بهمّة وجهود أبناء هذا الوطن الطيب المعطاء، وبتبرع شخصي من سموه جبر به قلوب المحتاجين، وأدخل الفرحة إلى أرواح المساكين، فجزاه الله عن الوطن وأهله خير الجزاء، وأطال الله عمره في عمل الطاعات وبثّ فعل الخير والمكرمات.

وبإحساس الفارس البدوي الأصيل الذي يطرب لفعل الخير وتهشّ له روحه وقلبه، عبر صاحب السموّ عن هذه اللحظات الرائعة من خلال هذه المقطوعة الشعرية البديعة التي نشرها على حسابه في إنستغرام حيث ترنّم من أعماق قلبه بلحظات الصفاء النادرة التي يتجلى فيها المعنى الإلهي على وجدان الإنسان ويشعر بلحظة الجلال الكبرى في حضرة ذي الجلال والإكرام، فلا يجد شيئاً أصدق من دمعة تتحدر على الوجنات وهي تتضرع للمولى الكريم، وتترشف جرعة من شراب المحبة الصافية التي عبر بها الشعراء عن لحظات الصفاء النادرة في التعبير عن شوق العبد لرضا المولى.

وحاجته إلى رشفة من كأس المحبة والقبول، وربما استغرب الإنسان حين يجد هذا التعبير يأخذ لفظ السقيا والشراب وما هو قريب منهما من ألفاظ ربما ارتبطت بشراب الخمرة الأرضية، لكنّ أهل المحبة لا يقصدون ذلك إطلاقاً، وإنما يريدون بذلك لحظة النشوة بالمعرفة وغياب الروح والفناء في حضرة الباقي سبحانه، ومن أبدع الشعراء الذين عبروا عن هذا المعنى اللطيف العارف اليمني الشهير عبد الله بن علوي الحداد رحمه الله حين يقول:

أنا مشغولٌ بليلى

عن جميع الكون جُملهْ

فإذا ما قيل مَن ذا

قل هو الصبّ المولّهْ

أخذته الراحُ حتى

لم تُبقّ فيه فضله

راحُ أنسٍ، راحُ قُدسٍ

ليست الراح المضله

وعلى خطى هؤلاء المحبين سار صاحب السمو، ومن كأسهم المترعة بشراب المحبة ارتشف وباح بسره المكتوم في هذه المقطوعة العذبة الجميلة.

شرابٌ راق لي من غير ساقي

لمُترعة تُدار من المآقي

عجيبٌ أنها رقّت وراقت

مخبّأة من الحِقب العِتاق

هكذا بدأ صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد هذا الغناء الصافي بلفظ «شراب» في حالة النكرة للدلالة على بلوغه قمة الشهرة، فالتنكير أحياناً يكون بسبب الشهرة الطاغية، وهكذا هو شراب المحبة الإلهية، لا يحتاج إلى تعريف، ففي ذكره كفاية، فهو الشراب الذي يروق للنفس، وتتذوقه بحاسة الذوق الخاص دون الحاجة إلى الساقي فهو من الكنوز المخبّاة في طبقات المعاني، وهذه الكأس الدهاق المترعة ليست مليئة بالخمر بل هي مترعة بفيض الدمع الذي يكون هو التعبير الأجلى عن روعة الحضور في حضرة الكبير المتعال.

ولكن العجب لا ينقضي من هذه الخمر العتيقة المخباة في دِنان الزمن، وهذا شيء معروف من سيرة الشراب أنه كلما كان عتيقاً كان أكثر صفاء ونشوة ولذة، وكذلك هي المعاني حين تكون راسخة في عروق القلب تكون قادرة على استدرار الدمع، وتطهير القلب من جميع الأدران التي لا يمكن استخراجها إلا في لحظات الصفاء النادر الفريد.

وأغلى سعرها ما بان منها

فهل من سالف منها وباقي

وإني عند ذكر الله أشدو

بها لأخفّ من برْح اشتياقي

إن هذا الشراب الثمين النفيس هو الأغلى من بين جميع أنواع الشراب، فهو سلوة الروح ونشوة القلب حين يدهمه التعب، فحين يترنم بها العاشق الصادق يهون كل مدفوع في جنبها، فهي الأغلى من كل ثمن، ولأنها كذلك فإن العاشق دائم السؤال عنها، ويرتاح لذكرها مهما كانت عتيقة، ويتساءل عما بقي منها لكي لا يفتقدها في لحظة الشوق والحنين، فهي الروح والريحان، وهي النغمة الطيبة التي تشدو بها الروح ويترنم بها اللسان حين يكون القلب معموراً بذكر الله تعالى، فهي البلسم وهي الترياق الذي تشفى به جميع الأوجاع، وبها يتخفف المشتاق من برح الشوق ولذعة الحنين، فبهذا البيت الأخير بان المقصود من هذا الشراب الذي لا نظير له بين جميع أشربة الدنيا، وما أجمل ما قاله العارف اليمني عبد الله بن علوي الحداد مرة أخرى في هذا المعنى اللطيف حيث يقول:

بشّر فؤادك بالنصيب الوافي

من قرب ربك واسع الألطاف

الواحد الملك العظيم فلُذْ به

واشرب من التوحيد كأسا صافي

بهذه الومضة الجميلة الصافية يختتم صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد هذه الومضات الرمضانية الجليلة التي جاءت منسجمة مع روحانية هذا الشهر الكريم، وكانت فاصلاً عن تلك الومضات القيادية الرائعة التي كانت وستبقى مَعيناً من الإلهام والإبداع في مسيرة الوطن وإنسانه الكريم.

 
طباعة Email